معجم السيميائيـات متابعـات نقديــة ترجمــــات

دراســــات

مؤلفــات بطاقة تعــريف الصفحة الرئيسيـة
للاتصـــال   مواقـــع  خزانات الموقـع صحف ومجـلات رسائل وأطروحـات وحدة تحليل الخطاب مجلـة عــلامات

لامبرتوايكو

جزيرة اليوم السابق : بين الباروكية والبوليسية

قراءة وتقديم : سعيد علوش

عندما ينشر الكاتب الإيطالي امبرتو إيكو (27) مليون نسخة من رواياته الثلاث : (اسم الوردة) (15) (بندول فوكو) (7) و (جزيرة اليوم السابق (5) فلا يسعنا إلا أن نسلم بمفارقات الأرقام، بين روائي يطلع علينا من قلب العصور الوسطى وآخرين يتعثرون وراء الشهرة المحتملة لحداثة مريبة.

المفارقة الأدهى أحيانا هي تعامل المنابر الثقافية العربية مع حدث صدور آخر روايات إيكو، إذ يكون الاعلان عنها بمثابة اقبار لها وتخلص من اشكالياتها. ففي مصر تقتصر جريدة أدبية على ترجمة لحوار لوموند الفرنسية مع الكاتب كما اقتصر في المغرب ملحق ثقافي على ترجمة نفس الحوار وآخر "بمجلة القراءة" ناهيك عن توزع ترجمات عنوان الرواية بين :

- جزيرة الأمس

-جزيرة اليوم الذي قبل

- جزيرة اليوم السابق

وكلها مسميات لمسمى واحد هو (L'ile du jour d'avant) (1996) التي ظهر نصها الايطالي الأصلي سنة 1994، وهذا يعني أن المتابعة الصحفية العربية تتم عبر قنوات اللغة الثانية الوسيطة والتي أنجزها الفرنسي جان نويل سيفانو مدير المعهد الفرنسي الحالي بنابولي، وهو روائي ومترجم مورافيا (و) الزامورانت (و) سفيفو (و) سياسيا كذلك .

وإذا كانت الترجمة الفرنسية متأخرة عن مثيلاتها فلان المترجم طلب مهلة سنة حتى ينخرط في لغة ونصوص القرن السابع عشر زمن رواية (جزيرة اليوم السابق) (461) التي اعتبرت بحق أدويسا هذا القرن، فهي رواية مغامرة وتكوين ورواية الرواية. ويعتبر امبرتوإيكو أن ايطاليا لم تكن لها رواية بوليسية إلا في وقت قريب، لاعتقادها الدائم ارتباط الرواية الجميلة بمشابهة القصيدة ، لأن كل روائي محض كان يعتبر نفسه بشكل مغال تقنيا. لذلك كان التشكك العميق في كل ما هو روائي مع استثناءات (مورافيا/ سفيفو / كالفينو)، من ثم يعتبر مورافيا بأن جويس مثلا لم يكن ممكنا أن يولد في ايطاليا.

ويظهر أن متعة كتابة الرواية التي تستمر قرابة أربع سنوات عند امبرتو إيكو بالنسبة لرواية (بندول فوكو) ستتمدد الى ست سنوات فيما يخص رواية (جزيرة اليوم السابق) التي استحوذت على كاتبها؛ إذ لم يبدأ هذا النوع من الكتابة إلا بعد منتصف قرن من حياته، رغبة منه في تجريب الحلول الروائية المختلفة ، ذلك أن امبرتوإيكو يستدعي ويحكي الثقافة في رواية (اسم الوردة) آخذا قراءه على حين غرة، مقدما عمله كنسخة مشكوك فيها وجزئية لمخطوط اختفى بينما تنجح رواية (بندول فوكو) في تقديم شهادة بطل يؤكد أنه لم يكلم أحدا أبدا عن أي شيء... وخلافا للروايتين السابقتين، حيث كان الروائي يعرف مسبقا بداية وسياق ونهاية الرواية، فإنه لم يكن يملك في رواية (جزيرة اليوم السابق) مخططا اجماليا أو نهائيا، لذلك كان يبتكر الفصول، الواحد تلو الآخر، تاركا للرواية تلقائيتها، إذ كان التركيز كليا على الحالة النفسية للأبطال أكثر من الانشغال ببنية الرواية.

ورغم أن الروائي غالبا ما يصنف مؤرخا وفيلسوفا وسيميائيا، يختص بالأشكال الأدبية، إلا أنه يقترح علينا في عمله الأخير اقامة في جنة الروائيين الفلسفية متحولا من الثقافي إلى الطبيعي والتسجيلي، فقد كان يتجول في جزيرة فيدجي (Fidji) بمسجلته مدونا ملاحظاته البريئة كلما اختبرها. فبعد كتابة روايتيه السابقتين حول اكتشاف لغز معين، هاهو يرتئي في (جزيرة اليوم السابق) ترك الشك مهيمنا على النهاية، على شاكلة الكتابة المفتوحة التي تخيب توقعات القراء والنقاد على السواء، وهم يتكلمون دائما عن المعرفة الكتابية التي تهيمن على الانشغالات الروائية، وهي موجودة دون شك، إلا أن امبرتوإيكو يجعلها تمتح من الانفعالات والاحاسيس الخاصة لحد أن بعضهم يعتبر رواياته روايات بيوغرافية مقنعة، حين يقبل القيام برحلة بحرية عبر السفينة التي يكرهها، ليتعرض طويلا للفحة الشمس، حتى يحس تحت جلده ما يستشعره بطل روايته روبيرتو في (جزيرة اليوم السابق) مدشنا بذلك تصدع ميث الرواية العالمية الكبرى والجماهيرية. ورغم أن أستاذ السيميائيات بجامعة نابولي لم يفارق طموحاته الموسوعية والاستعارية فهو يقترح رواية ضخمة من (461) صفحة، يمزج فيها بين لغتي قرنين (20/17) كما يكتب جزءا من الرواية بلغة تيبوغرافيي الفترة الباروكية ، وذلك عبر الافاضة في الصنعة البلاغية التي تبرز في الرواية كعقبة لكنها لم تلبث أن أصبحت أليفة، تحللت في جوهر الرواية عبر اكتشاف المتعة الأدبية للغريب والتاريخي والغنائي.

ويظهر أن امبرتو الأستاذ الذي درس مونتكريستو (و) أرسين لوبان (و) جيمس بوند، يغازل في روايته أدب الرواية الشعبية، رغم أنه لا تنعدم في روايته مادة تاريخية وفلسفية وأدبية لا تعود إليها، لكن إعجابه بالكسندر ديما ورواية المغامرة والرواية البوليسية يمثل في ذهنه ميكانيزمات الرواية الشعبية المدعومة بالسخرية والشواهد. ومع ذلك فمن الصعب تفسير نجاح الرواية لديه بعنصر الالغاز والمغامرة مع أن أن امبرتوإيكو تعرض نظريا إلى ذلك بالتحليل في كتابه( Lector in Fabula) مما أوصله إلى التمييز بين قارئين : الأول سيميائي، يؤول الأحداث باحثا عن المعرفة. والثاني جمالي، يعود إلى النص ويكشف عن دروس أو متع خارج المحكي لذلك كانت المغامرة التاريخية في رواية (جزيرة اليوم السابق) ضرورية للجمع بين السيميائي والجمالي. فالمحرك الدرامي للرواية مقتبس عن رواية المغامرات الكبرى (روبنسن كروزوى) و (جزيرة الكنز) من خلال تجربة العلم ووعي المجتمع. ففي الانطلاق نحو العالم الجديد للمعرفة نكتشف حيوانا غريبا هو الأنا بشكه ورغباته ولاوعيه. من ثم يعيد امبرتوإيكو إنتاج مرحلة الفكر الفلسفي لتتحول روايته إلى أوديسا معرفية (فيزيائية/ميتافيزيقية) تنخرط في قضايا الزمن: (اكتشاف جاليلي / كوجيطو ديكارت) عبر طبع القارئ بخطاب وانفعال النصف الأول من القرن 17، من خلال البحث عن فضاء جزيرة فيدجي التي اكتشفها الهولندي (تاسمات) في نفس القرن... أي أن الروائي شعر بالحاجة إلى التغيير بعد روايتيه حول الثقافة، والانتقال بالقارئ إلى رواية الطبيعة، باعتماده على توظيف أجواء جزيرة مهجورة. وعندما وجد بأن الفكرة قد استهلكت في إنتاجات كتاب أمثال (ديفو) و (تورني) وغيرهما فقد تخيل سفينة شراعية مهجورة جنب الجزيرة وعلى متنهارجل وحيد لا يعرف السباحة. إنها رواية تقوم على مشكل الأبعاد والمسافات واستحالة بلوغ الهدف. من ثم، فهي رواية تحكي عن الرغبة التي لا تتحقق وهي بذلك ليست تعبيرا مجازيا عن أحوال نهاية القرن، بالمقارنة مع عصر سابق (القرن 17) ما دام الأمر يرتبط بفترتين تضيع فيهما نقط الاستدلال، لأن العنصر المنظم والمستخلص من العلم والمعرفة والتقنية يمثل الخلفية الفكرية الأولى، على حين يمثل العنصر غير المنتظر للخيال والفنتازم الخلفية الثانية .

إن إمبرتوإيكو يعتبر مادة استدلالات العلماء تنهل من أقصى الهذيانات لذلك فهو يستلهم من تاريخ العلم والتقنية أشياء أكثر روائية مما هو موجود في عالم الرواية، لذلك لم تعوز الروائي التجليات فهي مأخوذة من مخطوطات الفترة للقرن (17)، ومن تجارب كبار العلماء. لذلك كان ما يبهجه أكثر في عمله الروائي هوان يجعل القراء يقبلون بشكل طبيعي على بعض الأشياء المجهولة والخفية، كما أنه يدين في بعض رسائل بطله روبيرتو بالكثير إلى رسائل كتبها الكاتب سيرانو د ي برجراك، ويستعير من (ايمانويل تيزورو) - كاتب ايطالي من القرن (17) -ومن الشعر الباروكي فن الإيهام لأن نظرية المعرفة الباروكية تحول مشكل الادراك إلى الرؤيا ...

لقد جاءت رواية (جزيرة اليوم السابق) لرد الاعتبار إلى القرن (17) ، الذي ظل رغم غناه محتقرا في ايطاليا لمدة طويلة بالنسبة لقرن الانوار الثامن عشر... لذلك كان اختيار العصر الباروكي اختيارا للغة، إذ بعد فراغ الروائي من عمله كان عليه قضاء ستة أشهر في التحقيق واستقصاء معاجم الحقبة، مما احاط عمل المترجمين بصعوبات شتى حفاظا على التنوع اللغوي ورغبة من الروائي في إعادة إبداع لغة القرن (17) مستفيدا من البعد المعرفي والزمني لقرننا...

ورغم أن الكاتب لم يخط الرواية بلغة الباروك لصعوبة فهمها الآن، فإن البطل يتكلم لغة الباروك الملتهبة، إلا أن السارد يستعمل لغة أشد حياء، وحين تهتم الشخصية بفلسفة العلم ومحاكاة ديكارت وباسكال فإن تعابير السارد تتحول إلى الباروكية. ومع كل هذا وذاك فعلى القارئ الأوربي -الذي لم يستأنس باللاتينية - أن يقفز فقرات وصفحات عديدة لن يفهمها، وقد وضعت خصيصا لتحقيق هذه الغاية بالذات، لأن امبرتوإيكو يستعيد نفس التجربة التي خاضها في رواية (اسم الوردة)، لأن الروائي كان يفكر في هذه القراءة المزدوجة وهي تضعه أمام موقفين، إما أن يحذف هذه الفقرات المكتوبة باللاتينية كما طلب منه ذلك، بدعوى أن أغلب القراء لن يفهموها، إلا أن هذه اللاتينية بالنسبة له تعد بمثابة مؤشر وعلامة تساهمان في المناخ الروائي، وإما أن يثبتها مادامت لا تحمل كشفا جوهريا، ولم يكن هذا ليزعجه أن يقفز القراء على هذا المقطع، فهو قد أدى مهمته في جعلهم يقفزون عليها في الرواية السابقة (اسم الوردة) فليقفزوا عليها مرة ثانية في رواية (جزيرة اليوم السابق) ما دامت الغاية تتحقق في إنجاز مؤشر وعلامة تساهم في مناخ الروائي والغريب الذي يشتغل داخل المألوف.

******

تتكون الرواية من أربعين فصلا، يحمل كل واحد منها عنوانه الدال، المتوزع بين الألفة والغرابة بين الجغرافي والتاريخي والايهامي وهي كالتالي : (الآلهة المتخفية / ما حصل في مونتفيرا/معرض الاندهاشات/ التحصن الواضح/متاهة العالم/ الفن الكبير للضوء والظل/ رقصة البافان/ الارسطية.../ جغرافيا وجغرافيا مائية مستصلحة/فمن الحذر/ انفعالات الروح/ خريطة بلاد العشق/ مقال علم الاسلحة/ الساعات بعضها اهتزازي / خطاب حول مسحوق الود/علم خط الطول المرغوب فيه/ فضول غير مسموع/ الفن البحري يشع/ تجربة الكلب المجروح/ فن العبقرية أو النكهة/ نظرية الأرض المقدسة/ حمام بلون برتقالي/ آلات مختلفة واصطناعية/ حوار حول الأنظمة الاساسية/ تقنية الفضول/ مسرح العملات / اسرار مد البحر /عن أصل الروايات/ روح فيرانت/ عن مرض الحب أو حنين العشق/ مطالعة السياسات/ حديقة الملذات / عالم تحت أرضي/ حوار داخلي عن جموعية العالم / عزاء البحارة / غرائبيات / رجل متاهب/ انشاء في شكل مفارقة حول نمط تفكير الاحجار/ حول الطبيعة ومكان الجحيم مسار افتتاني سماوي/ كولوفون مدينة من آسيا الصغرى.

تشير العناوين إلى أكثر من لغة وحقل ثقافي، وتكشف عن موسوعية تنزع إلى اثارة فضول قارئها المحتمل، لرواية مليئة بالمغامرات والنزعات الفروسية والمخاطر البحرية والطبيعية ذات الغرائبية التي يظهر فيها (حمام بلون برتقالي) و(حديقة الملذات) و (خطاب حول مسحوق الود)، من هنا تصبح هذه العناوين بمثابة محطات لوضع علامات وقف وابتداء النص الروائي الباروكي الموهم بالانفتاح النصي ... وتبدأ الرواية استرجاعية تستعيد تاريخ الحروب ما قبل الأوربية، في شكل رواية البيكاريسك أو رواية (الفرسان الثلاثة) ، حيث المغامرة الجسدية والقوة تعتبران مفتاح البطولة :

الإسبان يا بني سادة كبار، يقول بوزو، وهم أناس تعتبر محاربتهم متعة . ومن الحظ أننا لسنا في عهد شارلمان وهو يقاتل المورسكيين حيث كانت الحرب، أقتل -أنت لكي أقتل أنا. أما هذه الحرب فهي بين مسيحيين) (34/33). ويتعمد امبرتوإيكو التذكير بالحروب العبثية التي تتحول فيها البطولة من هدف عقائدي أعمى إلى هدف في حد ذاته، أي حرب بين الاخوة الاعداء: (وبايجاز في امكان الجميع الانتصار. أما الآن، لنتناول شربتنا، فالحصار في بدايته والمؤونة لا تنقصنا ولن نأكل الفئران إلا فيما بعد .... (39)

ويظهر أن خطاب السخرية بازدواجيته (انتصار الجميع / أكل الفئران) يعمل على تحويل المادة التاريخية إلى جوهر روائي يستفيد من البعدين الزمني والمعرفي صناعة متخيله الباروكي، فبطل الرواية روبيرتو يشكر والده على تخليصه من موت محتم حيث يقتل فيه قاتله، لكن والده يملك فلسفة خاصة للموت:

شكر روبيرتو/والده، ونزل من على سرج فرسه مادا يده إلى والده ليشكره... فشد والد بوزو عليها بلا مبالاة قائلا: > آسف لهذا الاسباني الذي كان شخصا شهما، بيد أن الحرب كلبنة قذرة لهذا تذكر دائما يابني : نعم أن تكون طيبا إذا مشى أحدهم فوقف لقتلك فهو المخطئ، أليس كذلك(53)

فرغم قذارة الموت، فإن البادئ اظلم، ويتفق على هذا المحارب ورجل الدين : (علق الراهب الجالس جنب روبرتو >ان كلاب وطيور الوادي لا تثير الضجيج الذي نثيره بصياحنا... لماذا كل دقات الاجراس هاته وكل هذه القداسات لبعث الاموات ؟ ) (60)

ويظهر أن الروائي يتعمد الالحاح على طابع الرواية عند ألكسندرديما، بالإفاضة في تفاصيل الفروسية، حيث كانت بطولة السيف تصنع في مخيلة جمهورها التفاصيل اللازمة للبطولة الحقيقية التي تصنع بطولة المحاكاة الروائية :

انها ضربة النورس ضربة السيف السريعة، إذ أصاب مقبض السيف وجه القس من جذره إلى الانف والشفة ، مشققا الجهة اليسرى من الشارب. انخذل القس كما لم يقم بذلك أبدا أي أبيقوري، وظهر سان سافان معلنا الخلاص، فقدصفق الحاضرون لضربة المعلم التي أنجزها (133)

فالمبادرة التي كانت مقياس اللياقة البدنية تتحول في (جزيرة اليوم السابق) إلى مقياس للإثارة واستعادة أدب المغامرة وبلاغة تعبير ضربات المعلم: (ضربة النورس) التي تكون عبارة عن خدشة عميقة تحول الوجه إلى قفا، فأي إحساس ابيقوري وأي فرجة (تصفيق) تطهر قارئها من رتابة القراءة الافقية وتضعه في رحابة استعادة البطولات التاريخية الضائعة .

كلما يلجأ الروائي إلى حكاية الحكايات، التي تعكس الصراع المسيحي - الاسلامي للمرتدالمخبر- المسافر تحت قناع تاجر برتغالي يخفي لغز الصراع العقائدي وعلائق القوى بين الشرق والغرب، دون أدنى رغبة من الكاتب في توظيفها لغاية ايديولوجية محضة، بل لمجرد ابراز ازدواجية الادوار والتماهيات التي تدفع إليها باروكية الرواية التي تحتفي بالقرين والزائف ما دام الباروكي على العموم هو فن الايهام، لأن نظرية المعرفة الباروكية تحول مشكل الادراك في اتجاه الرؤيا.

من ثم يكتسي طابع الحكي مشكل تهديد صليبي، يقف فيه (محموت) - تحريفا لاسم محمد- العربي الاسلامي بطلا يحمل قناع المرتد البرتغالي والواشي التركي ومكتشفه الغربي :

ففي زحمة الميناء، التقى مسافرا من البندقية وتعرف عليه ليكتشف في وقت وجيز بأن هذا الأخير لم يكن في الحقيقة سوى (محموت) وهو مرتد اعتنق المحمدية في المشرق، لكنه يتخفى في هيئة تاجر برتغالي يجمع المعلومات عن البحرية البريطانية، حين يقوم مخبرون آخرون بأكثر من ذلك في فرنسا لحساب الباب العالي العثماني. وللتدليل على حسن نيته، كان في امكانه اخبار رؤسائه الجدد أن فرنسا قد حصلت على معلومات عن الموانئ البريطانية، من خلال (محموت)، وهو واش تركي، يعيش في لندن مدعيا أنه برتغالي.

وعند ايقاف محموت الذي قبض عليه في عين المكان وجد بحوزته تقييدات عن الموانئ البريطانية من ثم اعتبر فيرانت شخصا يستحق كل الثقة ) (343/342) فمحموت والديانة المحمدية كانا المفتاح الاساسي للإثارة أو التحفيز : >فاندهاش الجميع أفرح الراهب، الذي قال إن سر هذه المادة كشفه له أحد العرب، ويتعلق الأمر بدواء أكثر قوة من ذلك الذي يعرفه المسيحيون.. (27)

والحكاية هنا ذات وظيفة فرعية، تتعلق بزمنية الرواية أكثر مما تتعلق بالقصة الأساسية للرواية، لأن الروائي يريد رسم ملامح فلسفية وتاريخية ذات أبعادتتخذ طابع الحكمة وارهاصات الدولة (8) التي كانت تخترق القرن 17 قبل 18 الذي اعتبر عصر أنوار يغمط دور القرن السابق عليه.

من هنا يتدخل الروائي ليبرز منطقا أغفل المكونات والانساق لأن المنطق لا يوجد في العقلانية وحدها بل في العقائدي والوثني،

لقد كان الوثنيون أكثر حكمة منا، لقد كان لهم كذلك ثلاثة آلهة، ولكن أمهم (سيبيل) (الهة الخصب) لا تدعي على الأقل أنها وضعتهم وهي عذراء...

قال روبيرتو محتجا بينما ضحك الآخرون : سيدي

- أجاب القديس، سافان سيدي، إن الميزة الأولى لرجل نزيه هي احتقار العقيدة التي تريدنا خائفين اتجاه الشيء الأكثر طبيعة في العالم، ألا وهو الموت، وكارهين للشيء الجميل والوحيد الذي منحه إيانا القدر الا وهو الحياة، مؤملين في سماءمليئة بالسعادة الأبدية التي تعيشها الكواكب، التي لا تستمتع لا بالجزاء، ولا بالحكم ولكن فقط بحركتها الأبدية في أحضان الفراغ...(61)

فالسعادة الأبدية التي يراهن عليها الروائي هي حركة الطبيعة التي تمتلك منطقها الأبدي في حركيتها وهندسة فراغها، مادامت الرواية تعد تمجيدا للطبيعي في (جزيرة اليوم السابق) في تحولها عن ثقافي (اسم الوردة) و (بندول فوكو) بهدف اعادة الاعتبار والنقد المزدوج إلى (الآلية الانسانية):

أيتها الآلات الانسانية، كم أن أنت وهمية، دمدم لنفسه، إذا كان الانسان ليس شيئا آخر غير الوهم فأنت الدخان، وإذا لم يكن أكثر من حلم، فأنت يرقانات، وإذا لم يكن أكثر من الصفر فأنت نقطة وإذا لم يكن أكثر من نقطة فأنت الاصفار (421)

فالطابع السوريالي للسخرية عند الروائي يقوم باسقاط التاريخي على الواقعي في نوع من الامتزاج بين قرنين (20/17).

ولتقديم بطل الرواية روبيرتو، فإن الروائي يلجأ إلى سيناريو قديم حيث كان الرهبان المصدر الوحيد للمعرفة المتنقلة لافتقاد المراكز الثقافية، كما أن الوسط وحده هو مصدرالخبرة والمهارة في القرن 17 لبطل يتلقى المعرفة لمدة أربعة أشهر في السنة وهي عبارة عن معرفة سماعية تصاحب البطل طوال حياته:

فالأب الذي يتكلم الفرنسية مع زوجته والعامية مع فلاحيه والايطالية مع الاجانب يخاطب روبيرتو بطرق مختلفة ، حسب نوعية تلقيه مهارة المبارزة بالسيف أو مصاحبته لركوب الفرس عبر الحقول ...

لم يكن جاهلا إذن ، كان له مربي فصلي وهو راهب، يقال إنه سافر إلى المشرق حيث -تدمدم أمه مشيرة - يلمح أنه ادعى اسلامه، وهو يأتي مرة كل سنة إلى أرضهم مصحوبا بخادم وأربعة بغال محملة بالكتب وأوراق أخرى، لينزل عليهم ضيفا لمدة أربعة أشهر. ولا نعلم ما يلقنه لتلميذه، لهذا فحين وصل روبيرتو إلى باريز كان لذلك أثره فهو يتعلم بسرعة ما يسمعه في جميع الحالات (26)

ويظهر أن الرواية تقدم نموذجا معاكسا للتربية المؤسساتية لقرننا وهو نموذج كانت فيه المعرفة تأتي إلى الغرب من المشرق تحت رداءات عديدة، فهل كان القرن 17 قرن تحول المعرفة عن المشرق إلى المغرب ؟ ذلك أن معرفة البطل روبيرتو تتعزز بالجدلية الطبيعية وهي ما كان وراء تنافس أوروبا على التفرد والجمع بين الاكتشافات وتدوينها عبر رحلات متعددة. >إذا كانت سفينة (دافن) كسفينة (ماريليس) قد بحثا عن النقطة الحساسة... فإن روبيرتو يواجه الصراع الأصم بين الدول الأوربية للتفرد بالسر، فعليه إذن الاستعداد والتصرف بحنكة< (183) .

فالانتقال من عالم الكلمات إلى عالم الاشياء والطبيعة هو ما حققه تقدم الغرب، الذي كان وراء سباق المسافات وخطوط العرض والطول في صراع حضاري حاد، حيث :>كان يطلق الصينيون على الأوربيين الرجال ذوي الأنف الطويل، لأن أول الواصلين إلى شطآنهم كانو من البرتغاليين الذين كانت لهم أنوف طويلة جدا< (158)

توهم (جزيرة اليوم السابق) قارئها باستعادة عصر الاكتشافات القارية، مع أن مايهمها أساسا هو مواجهة الانسان لقدر الطبيعة ولقوانين الزمن والمسافة وتحديد مواقع الفضاءات، حدث ذلك حينما:

خرجت سفينة اماريليس من هولندا في اتجاه غير محدد... لم يكن يلزم كثيرا لاستخلاص علاقة اختفاء بيرد ومصادفات مرور السفينة المتلاحق عبر خطوط الطول. ويظهر كما لو كان شخص ما يبعث باشارة من أوربا كل يوم من وسط جزر الكناري أو من مكان آخر وفي وقت محدد. لذلك كان بيرد يذهب لتلقي تلك الإشارة بمكان ما من السفينة. وبما أن بيرد يعرف الساعة فوق قارب (أماريليس) فإنه كان في امكانه معرفة خط الطول الذي يقع فيه. (194)

ونفس سيناريو الاكتشاف تستعيده سفينة منافسة، هي (دافن)، ذلك أن روبيرتو بطل الرواية يسافر عبر السفينة من امستردام ويتوقف في (رسيف) لينتهي به المطاف إلى جزر فيدجي، وهو سفر نحو خط (180) لأن الانطلاق لا بد أن يكون في اتجاه الشرق لا الغرب، فلو رحل إلى الاتجاه الآخر لحصلت له قصة أخرى:

كان يقود سفينة (دافن) قائد هولاندي سبق له أن جرب هذه الطرق لصالح شركته ... وقد غادر الشواطئ المتوسطية شهورا ... مبحرا عبر إفريقيا بهدف بلوغ جزر سليمان، تماما كما يريد ذلك الدكتور بيرد على سفينة (اماريلس)، غير أن الأخير كان يبحث عن جزر سليمان، متوجها نحو الشرق من الغرب، بينما قامت سفينة دافن بالعكس، وهذا لا يهم، إذ في الامكان بلوغ أطراف الكرة الأرضية من الجهتين (221) .

تختزن (جزيرة اليوم السابق) الكثير من المظاهر التجريبية : العلاقة الموجودة بين الكاتب و السارد داخل النص، وفكرة الرواية التي تعجز السارد عن بنائها بتعاون مع الشخصية، سيرا على النهج الذي سلكته الابحاث التجريبية في الستينات، لدرجة أن بعض النقاد لاحظوا أن الرواية تنقصها نهاية حقيقية، اذ ليست للرواية بنية مغلقة . فالخاتمة تظل مفتوحة دائما، لأن المشروع الروائي يتمثل في تخييب التوقعات الروائية لدى قارئها.

وفي هذا الإطار يأتي تغليف الروائي لمواجهة روبيرتو للطبيعة بانخراطه في مناقشة السبق البريطاني الذي يواجهه مازاران في فرنسا بالتجسس، حيث تتخذ الرواية احيانا طابع الرواية البوليسية، ذات الأحداث التي تتنافس الدول الأوربية فيها على استغلال واضح لمعارف العصر شبه الخرافية والشعبية لمسحوق الود مثلا أو السحر الطبيعي وتجريب كل ذلك في سرية تامة هي سر الدولة والهيمنة.

والرواية هنا لا تتحول تاريخية بقدر ما تستدعي الرصيد الثقافي للقارئ المحتمل في قراءته للمألوف وتطعيمه بتأويل للغرائبي الذي يأتي في شكل تفاصيل تتوخى تجريب السيطرة على الطبيعة، كما لو كان الروائي يريد استعادة قوانين العلم بقوانين الرواية إلى جذورها التي هي جذور قرننا:

فالدولة السباقة إلى كشف سر خطوط الطول والتي تحول دون ملكية اشهارها، ستكون هي الدولة التي تحصل امتيازا على الدول الأخرى، وهنا توقف (مازاران) مرة أخرى... لقد علمنا أن طبيبا انجليزيا هو الدكتور بيرد عثر على وسيلة جديدة وهائلة لتجديد درجة طول الفضاءات اعتمادا على مسحوق الود، ولا يدري مخبرنا بالتأكيد شيئا عن السحر الطبيعي. ومن هنا فالمؤكد أن الأميرالية الانجليزية سمحت له بتسليح سفينة تنطلق نحو بحور الهادئ، فالمسألة من الأهمية بمكان، لحد أن الانجليز احتاطوا في اظهارها سفينة لهم، بل هي تعود إلى هولاندي مهووس برغبة عبور طريق اثنين من مواطنيه، اللذين اكتشفا منذ ربع قرن ممرا آخر بين البحرين الأطلسي والهادئ فيما وراء مضيق ماجالان، وبما أن ثمن المغامرة يمكنه التشكيك في مساعدات المهتمين، فإن الهولانديين في نظر كل العالم هم الآن بصدد شحن سلع والبحث عن مسافرين كما لو كان الأمر يتعلق بتغطية المصاريف. لذلك فبالصدفة تقريبا سيكون من بينهم الدكتور بيرد وثلاثة من مساعديه، الذين يدعون أنهم يجمعون الزهور البرية الغريبة، وهم في الحقيقة من سيتكفل بمراقبة المشروع، لذلك سيكون من بين المسافرين أنت ياسان باتريزيو وعميلنا بامستردام لمراقبة الكل...

ابق عينيك مفتوحين وأذنيك متنصتتين، نحن نعرف أنك تفهم الانجليزية لكن عليك أن تتظاهر بجهلها حتى يتكلم الاعداء بكل حرية في حضورك وإذا كان هنالك على السفينة من يفهم الايطالية أو الفرنسية، فاطرح اسئلة وتذكر ما يقولونه لك. لا تحتقر مشافهة الناس العاديين، الذين يطلعونك على سرائرهم مقابل بعض القطع النقدية، التي تكون عبارة عن هبة لا كمقابل وإلا فسيشكون في الامر.

لا تلق أسئلة مباشرة أبدا وبعد أن تسأل اليوم بكلمات مختلفة ، اطرح نفس الأسئلة غدا بطريقة تجعل كذب فلان يناقض نفسه، فالناس تنسى الرهنات التي تقولهاوتخترع أخرى مخالفة في الغد وبالتالي فعليك أن تتعرف على الكذابين، فهم حين يضحكون يتكون أخدودان على وجنتيهما، وهم يحملون أظفارا قصيرة، احتط كذلك من الناس القصار القامة، الذين يتفوهون بالخطإ عن غطرسة، وفي جميع الحالات اجعل مناقشاتك معهم جد موجزة، ولا تجعلهم يحسون بأنك تغتبط : فالشخصية التي عليك أن تتكلم معها هي الدكتور بيرد... إنه رجل العقيدة فهو يتكلم الفرنسية وربما الإيطالية واللاتينية بالتأكيد. قل له إنك لا تغمض عينيك ليلا أبدا، وهذا سيبرر مفاجأتك في مكان ما مستيقظا، وهوما قد يحصل فيما لو كانت تجاربهم تجري تحت نجوم الليل. وهذا البيرد عليه أن يكون مسكونا بأفكار ثابتة كباقي رجال العلم، اجعل النزوات تجتاح رأسك وكلمه عنها، اظهر اهتمامك متظاهرا بفهم أقل أو عدمه، عساه يقل لك مرة ثانية أحسن من الأول، كرر ما يقوله لك كما لو كنت قد فهمت باقتراف أخطاء وهكذا فمن أجل التباهي سيضطر إلى التصحيح لك، مفسرا أطول وأعرض ما عليه أن يسكت عنه: لا تؤكد أبدا، لمح دائما : فالتلميحات تأتي بجس نبض النفوس واستكناه القلوب، يجب أن تجعله يثق فيك .

إذا كان يضحك دائما فاضحك معه، وإذا كان ذا مزاج صفراوي عليك أن تتصرف بنفس المزاج، لكن عليك أن تقدر دائما معرفته وإذا كان مغضابا وهاجمك فعليك تحمل الهجوم بقدر علمك ببدئك في معاقبته، قبل أن يهاجمك... وفي البحر ستبدو الأيام طويلة والليالي بدون نهاية، ولاشيء يخفف من ملل الانجليزسوى كؤوس الجعة التي يتزود بها الهولانديون، لذلك عليك أن تبدو محبا لهذا المشروب وتشجع صديقك الجديد على أن يتذوقها أكثر منك.قد يشك فيك يوما ما، ويفتش غرفتك : لذلك عليك أن لا تدون أية ملاحظة مكتوبة، بل احتفظ بمذكرات تتكلم فيها عن حظك السيء أو عن العذراء والقديسين أو المحبوبة التي يئست من لقائها إلى الأبد، على أن تظهر بهذه المذكرات ملاحظات عن ميزات الدكتور، معتبرا اياه صديقا فريدا على ظهر السفينة . وقف ما زاران لافهام ضيفه بنهاية المقابلة وللسيطرة عليه لحظة قبل أن يقوم بدوره عليكم أن تتبعوه (كولبير) سيعطيكم تعليمات أخرى ويضعكم رهن اشارة الاشخاص الذين يقودونكم إلى امستردام للرحيل، اذهب، اتمنى لك حظــا سعيدا... يقال انه يحدث أن نولد بعيدا وأن نغتني بباريس (182/181/180/179/178). يمثل الدكتور بيرد في النص السابق النواة الاساسية للحكي أولغز هذا الحكي، فعلى روبيرتو التقرب منه لكشف سر التجربة العلمية، لكن الرواية البوليسية تكاد تطغى باحداثها على التاريخي والعلمي، يجد التخيلي نفسه محاصرا بالأحداث الدولية والمراهنات السياسية ومغامرات البحر لينتهي كل هذا الحكي بالعبرة (الولادة بعيدا والاغتناء بباريس) فالحوافز جاهزة بالفضاءات المتحركة البعيدة والثابت من باريس، لكن هذا النزوع إلى الآفاق يصطدم بقدرية يصطنعها الروائي، ألا وهي تحطم السفينة لتبدأ الرواية في موضوعها الاساسي الخاص بالمواجهة الثنائية بين الانسان/الطبيعة والبعد /الحرمان:

دفعت العاصفة بالسفينة في غير مجراها لتضيعه في عرض بحار لم تشاهد من قبل مما أوصله إلى جزيرة مسكونة بفئران ضخمة في حجم طفل، بذيل طويل جدا وجيب فوق البطن... لقد بلغت سفينة (دافن) الشاطئ الغربي من استرالي (222)

وهنا يبدأ غرائبي (الفئران بحجم طفل) ومشارف (القارة الجديدة) وهما معا يضيعان الحلم والهدف، ولانهما كذلك فهما يخدمان المتخيل الروائي الذي لا يصمم أشكاله طبقا لغاية محددة، بل رغبة في احتواء المحتمل الانساني الذي يتحول مع السارد إلى عدة تماهيات تعكس بطولة روبيرتو ودور مبدع الرواية عبر رسائل مدونة أو مجابهة ذاتية للاختبارات الجسدية في مواجهة بين الانسان والطبيعة : وهكذا كملفق ماهر سادر في مخططاته، ظل روبرتو لاكريف بدون شك على تلك الحال طوال شهر يوليوز وأغطس من سنة1643، فمنذ أيام وهو تائه فوق الامواج متشبثا بخشبة منبطحا على بطنه طوال النهارحتى لا تعميه اشعة الشمس بعنق منحن بطريقة غير طبيعية حتى يتلافى الشرب بعد أن أحرق حنجرته ملح البحر، أكيد أنه محموم؟ فالرسائل لا تقول شيئا عن ذلك، وتدفع إلى التفكير في أبدية ذلك، لكن الامر يتعلق بيومين على الاكثر، وإلا فما كان يستطيع احتمال الحياة تحت ضربة الشمس (9) .

ويبدو أن الروائي كان مضطرا إلى القيام برحلات بحرية يتعرض فيها طويلا إلى أشعة حتى يحس تحت جلده بما يمكن أن يعانيه بطله أي أن الطابع التجريبي والتخلي عن الثقافي هو ايهام حواري للمثقف نفسه، حتى يجعلنا ننخرط في استيهاماته وقلقه الوجودي،

على متن السفينةهناك آثار عدوى الطاعون، لكن هذا الخبر لم يقلق روبرتو. حتى وبدون طاعون كان بالسفينة من الفئران ما يفوق عدد الطيور بالغابة، لا بد من الاستئناس بالفئران إذا كنا نريد ركوب البحر (1817) .

تنتقل الفئران من فضاء الحصار الحربي في بداية الرواية إلى الفضاء المتحرك للسفينة كعنصر تهديد وجودي، كان ممكنا أن يأكلها بفعل الحصار، ولكنها الآن هي التي تطالب به كأكلة لها... فالصراع والمخاطرة يمثلان عنصري تشويق ومغامرة الرواية الباروكية، مع روائي يضع بطله بين فكي خيارين كلاهما مر:

فالهروب من حصار (كازال) حيث على الأقل وفي نهاية المطاف لن يضطر إلى أكل الفئران، والهروب إلى سفينة (دافن) ، حيث ستأكله الفئران ربما... متأملا بخوف كبير هذا التناقض، لقد كان روبيروتو مستعدا لاكتشاف الفضاءات التي كانت تأتي منها أصوات غير واضحة ليلة البارحة (40) .

ويبرز العنصر الفجائي الثاني ليضع روبيرتو في مواجهة كائنات أخرى تقاسمه السفينة، التي هزم الطاعون كل بحاريها. ورغم أن الروائي يحتفظ بمسافة فاصلة بينه وبين شخصيات روايته، إلا أنه معجب بالانخراط في الأبحاث الضرورية لتأليف مثل هذه الروايات التي تبدع قرينها، فروبيرتو يزاحمه فرانت - اخ يشبهه وينسخه- وقد استقى الروائي الفكرة من ايمانويل تيزور- كاتب ايطالي من القرن 17 - كان يؤكد على ضرورة حضور القرين في كل رواية، أليس الشعر الباروكي هو فن الايهام بامتياز، خاصة وأن نظرية المعرفة الباروكية تحول مشكل الادراك نحو الرؤيا :

بالنسبة لكائن كروبرتو، يتوصل إلى أنه لن يسعد غيره إلا بما افتقده، ينقصه قليل من الحلم أن فيرانت على عكسه حصل على كل ما رفض له. وبما أن روبيرتو كان كاتب هذه القصة وأنه لا يريد التنازل لفيرانت، فقد قرر أنه لا يمكنه التعامل إلا مع كولومبو الأخر (37)

فالاشارة إلى كولومبو الآخر) تعد تأكيدا لفكرة القرين وتحد لها، وكيف تكون كتابة (هذه القصة) إذا لم تكن وجوديا، لأن روبيرتو يكتبها وهو يعيشها بينما الآخر يدعي أنه كذلك روبيرتو، دون أن يعيش المغامرة الوجودية التي يقف الموت فاصلا وحدا فيها بين القصة ونهايتها.

أليس امبرتو إيكو هو الذي يعتبر أننا نتألم لأننا لا نعرف من أين نبدأ الرواية، ونتألم في وسطها لأننا لا نعرف كيف نجعل الحكاية تتقدم، ولكن ذلك يصبح متعة حقيقية، وحين ينتهي الكاتب لن تبقى سوى الحوارات، وهي بالنسبة له عبارة عن مأتم وحين يكون المأتم مأتم بطل يدفعه قرينه إلى الموت والتخلي عن بطولته، فإن المعادلة تتحول إلى مشاركة قراء محتملين. ويختار الروائي المسرحية فضاء للتماهي، حيث يختلط الأمر على المحبوبة التي تعتبر الفرع أصلا وهو أعمى بقوة عميان آخرين حتى لو كان زمن القرين هو النصف الأول من القرن 17، فسيظل الموقف الانساني مرهونا بحرارة الاقتتال أو العمى :

كان ذلك أخيرا التاريخ الذي نتشبت به- مساء الثاني من ديسمبر 1642 عندما خرجوا من مسرح كان يظهر فيه روبيرتو وسط الجمهور بلباس حسرته الكاملة، صافحته (ليليا) خفية وهي تقفز : >سيدي دولاگريف< لقد أصبحت خجولا، ولم تكن كذلك في الليلة الأخرى. وهكذا من جديد وعلى نفس المشهد< ... هكذا ترون سيدي بأننا نتطور كعميان يقودون عميانا آخرين (177)

فالعمى هنا بمفهوم بول دي مان هو المعادل الضروري للطبيعة البلاغية للغة، التي تمكننا من تعيين لحظة العمى ولحظة البصيرة الروائية حتى لو كانت المواقف متعامية، لأن الاقتراب من لحظة البصيرة الأصلية متضمن في التجربة الوجودية لروبيرتو، وهو يواجه تقمص هويته بكتابة قصته الأصلية ومحاكاة قرينه وأخيه فيرانت :

كانت فكرة فيرانت حبيس هذه القرية بعينين مركزتين على سفينة (دافن) أن لا يلتحق بها أبدا وفي فراقه عن المرأة. كان روبيرتو قد خبر الحياة، لنمنحه ذلك، فهي تعويض عقابي ولكنه متفهم، يمتزج دون شك بشكل من أشكال رضى السارد لأن- معاكس التجدد- نجح في حبس عدوه كذلك على كرسي مخالف لكرسيه... فأنت في جزيرتك وبقناعك الجلدي لن تلحق أبدا، السفينة، أنا على العكس قريب من السفينة وبقناعي الزجاجي، أجدني جد قريب من بلوغ جزيرتي... (367)

والقناع الزجاجي مسرحة المعارضة (القناع الجلدي) ومعاكسته وابراز صورة النقيض، الذي يركز الروائي كنواة لابراز الوجه الآخر للعملة الواحدة أي الشرير في المفهوم الباروكي، إلا أن الروائي يقدم الحالة النفسية على الحالة الشكلية للنوع فيختار حوارا داخليا لروبيرتو، حتى يستعيد غنائية الرواية :

ثم توقف معيدا للحسبان من جديد كيف تتعامل حبيبته مع فرانت معتبرةاياه روبيرتو، والذي يمكن أن يكون بالتالي قد هلك ولكنه أنقذ... > احذر ياحبي المحبوب فهذا يتقدم إليك بوجهي، عارفا بأنك لا تستطيعين حب شخص آخر غيري! فما علي أن أقوم به الآن، هو أن أكره نفسي حتى أستطيع كرهه هو؟ ثم أقبل أن تخدعي أنت في الوقت الذي تستمتعين فيه بعناقه وأنت تعتقدين أنه عناقي؟ (348)

فروبيرتو قد يكون واهما في حبه، ولكنه غير واهم في أن من تحبه تحب الآخر-القرين باسمه، فلعبة القرين يدخلها طرف ثالث يعيد لاختلال المعادلة توازنها لأن الحب وحده هو القادر على التحلل من سوء التفاهم، خاصة وأن فيرانت يجد في لعبة القرين دعوة إلى المغامرة الرخيصة باقتناص ما حققه روبيرتو باصالته ولا يستطيع هو تحصيله:

يستعد فيرانت للحظة التي يمكنه فيها تعويض أخيه المفلس معتبرا نفسه روبيرتو الحقيقي والوحيد، ليس فقط في أعين الأهل الملازمين لـ (كريف) ولكن بالنسبة لباريس كلها، كما لو كان الآخر -الأخ فيرانت- لم يوجد أبدا.

لم يكن كولبير ساذجا، فصوت هذا الكاهن ليس غريبا، عنه وبما أنه شك في الأشياء القليلة التي فاه بها، فإنه نادى على حارسين واقترب من الزائر نازعا عنه لحيته المزيفة وقناعه. ومع من سيجد نفسه وجها لوجه؟ مع روبيرتو دولاگريف، الذي سلمه إلى رجاله بنفسه، حتى يبحر على سفينة الدكتور بيرد... كان ذلك تسلية لروبيرتو أن يتخيل حوار مازاران وكولبير الذي أخبر الكاردينال. >لا بد أن الرجل جن يا حضرة الكاردينال، فمن يتجرأ على التخلي عن التزامه لكن أن يدعي بيع ما أعطيناه له، فهذا علامة الحمق... فما زاران الذي يعتقد ان روبيرتو -أي فيرانت- يمتلك سرا يمكن أن يعود عليه بربح تظاهر بمعرفة كل شيء (أريد أن أقول بكل ما لا يعرف) حتى تفلت من مخاطبه بعض الاشارات (360/359/358/357)

ولا يقتصر فيرانت على تقمص شخصية شبيهه وأخيه روبيرتو الحقيقي، بل يتخفى وراء لحية كاهن طمعا في حظوة أعظم إلى جانب السياسيين (مازاران/كولبير) لكن صوته يكشف تخفيه، وتساعد هذ الحبكة في اضفاء المزيد من طابع رواية المغامرة على (جزيرة اليوم السابق)، كما أن يقظة السياسي حاضرة لابراز طابع الدهاء والمكر، مما يضعنا أمام قصة في القصة .

وفي انفعال لا مثيل له، بالنسبة لهذه الموتة، التي نجد فيها الشخص المحبوب حيا،لم يكن علي أن اكشف لها أنني مختلف عن ذلك الذي أحبته لأنها كانت تهب نفسها لي، لا إلى الآخر، انني احتل فقط الموقع الذي لم يرد لي احتلاله منذ البداية وليس هذا كل شيء : بل ودون أن تعي (ليليا)، فهي ستحس بحب آخر في نظرتي حب خال من كل أبهة وهي ترتعد من فرط نسكها ( 447/446)

فتوظيف القناع والبديل والمتماهي يعد مسرحة تكشف عن فكرة خداع البطولة التي تصوغ موضوع حب وحقد كما تبدع قصة تكسر سرد القصة الاساسية وتشرك قارئها في حبك وتأويل انتاج محكيها لأن الرواية تنكتب بقدرتها على التزييف، لكن وجود روبيرتو الحقيقي بالجهة الأخرى يجعلها تكتب قصته عبر ضمير الغياب :

لو ترك نفسه محمولا فوق الماء وعينيه إلى السماء لما رأى أبدا الشمس تتحرك،ولكان قد طفا فوق هذه الغابة التي تفرق بين اليوم واليوم السابق خارج الزمن في ظهيرة يوم... فالزمن يتوقف من أجله، لقد توقف بالجزيرة كذلك، مؤخرا إلى النهاية بموتها هي بالذات فالان كل ما يحصل لليليا يتعلق بارادتها السردية فقضية ما معلقة وقضية القصة معلقة فوق الجزيرة (449) .

وهذا التعليق للقصة والقضية والارادة السردية يرتبط بزمن الابعاد والمسافات أي زمن الموت والحياة. فإيكو استاذ الرواية وناقدها السيميائي يجعل سارده يتدخل ليقدم تحليله للشخصية الروائية مقلصا المسافة بين الابداع وتأويله، عبر تساؤلات عن دور ( الشعور/الانفعال/ الاحساس/الكتابة /الرواية)، وهي عمليات تكسر أفقية الحكي وتقلص هامش التفريق النظري بين الروائي والنقدي :

من الصعب مسبقا إعادة بناء حركات وشعور شخصية الذي يتحرق حبا حقيقيا بالتأكيد، ولكننا لا نعرف أبدا هل يعبر عما يحس أو ما يمليه خطاب الحب إذ لا نعرف الكثير عن الاختلاف بين الاحساس بالانفعال والتعبير عن هذا الانفعال، وأيهما أسبق على الأخر ؟ كان يكتب لنفسه ، لم يكن ذلك أدبا، كان يكتب هنا حقا كمراهق يتابع حلما مستحيلا، وهو يخط الصفحة بالدموع، لا لغياب الآخر، فالصورة طاهرة حتى وهي حاضرة، عبر لمسة حنان للذات وعشق للحب... كانت هناك مادة يمكن استمداد رواية منها، ولكن مرة أخرى من أين البدء؟ (13)

فمادة الرواية ليست هي الرواية، خاصة وان الروائي لم يكن يملك في (جزيرة اليوم السابق) مخططا اجماليا، لذلك كان يبتكر الفصول الواحد تلو الآخر، تاركا الرواية تنكتب من تلقاء نفسها، إذ لم يكن منشغلا ببنية الرواية بل بالحالة النفسية فيها، فهل كان الروائي صادقا في ادعاءاته؟وهل علينا أن نطلب منه ذلك في مجال مفتوح على التماهيات والاسقاطات لبطل يحكي ويتناقض في حكيه كعلامة على منطق داخلي للحكي ولا لشيء غير الحكي:

انه روبيرتو الذي يتناقض في حكيه إلى امرأته، وهي علامة على أنه لا يحكي ما حصل له نقطة نقطة، ولكنه يسعى إلى إنشاء رسالة في شكل محكي، بل احسن مما يمكن أن يكون رسالة ومحكيا كما يكتب دون أن يقرر ما سيختاره، انه يرسم بيادق لشطرنجه دون أن يوفق في من عليه أن يحركها وكيف يعفيها من ذلك(23) ويوهمنا الكاتب المتخيل بقارئ متخيل يسترخيان معا على كرسي تبادل تحديات التداعيات، من خلال ابداع وتلقي حنين روبيرتو في عزلته على ظهر السفينة حيث لا يستطيع اللحاق بالبر ولا السباحة بالبحر فهو بين فضاءين، لذلك لم يكن مستغربا أن يعزي نفسه باستيهامات العشق، رغم محاولته البحث عن منطق لهذه الاستيهامات في العلم، وهو يرتط بين احاسيس شبه خرافية (احتباس المنى) و (الملح) و(الشمس) و (الفراغ) :

حاول روبيرتو أن يتذكر كل ما سمعه من رجال العلم الذين درسوا حنين العشق ويظهر أن سببه الفراغ والنوم على الظهر واحتباس مبالغ فيه للمني وقد وجد أنه منذ أيام عديدة، كان يعيش الفراغ بالقوة، وبالنسبة لاحتباس المني، فهو يتلافى بحث الاسباب وايجاد الحلول لذلك... لكن من بين المغذيات التي تثير الحواس الملح ، وفي هذا الملح نسبح ونشرب الكثير... وبالتالي فهو يتذكر أنه سمع بأن الافارقة أكثر شهية جنسية من بلدان الشمال وذلك بسبب تعرضهم للشمس (350) .

يسقط الروائي حالة من القرن 17 على قرننا الحالي، ويواجه بين مسافتين وتداعيات فرعية يقتضيها التأويل والمساءلة وتتحول الرواية إلى فلسفة الاستغلال اليومي والخاص بحثا عن ألفة ثقافة عامة في السائد من الصور الخاطئة والاحكام المسبقة التي تسكن القناعات، كما لو كانت الرواية العالمة في حاجة إلى غرائبيات شعبية، لاستعادة سلطتها . لذلك نقف عند مشهد سندبادي لآكلي البشر الذي تعزز مشهديته قصة في القصة لشخصية ظلت حية على ظهر السفينة وانيطت بها وظيفة المساءلة الوجودية.

بدأ احتفال رهيب دام ثلاثة أيام، فالأب كاسبار المريض تابع كل ذلك عبر منظار تقريب البعيد، دون أن يستطيع فعل شيء لقد اصبح بحارته عبارة عن لحم مجزرة : شاهدهم كاسبار في البداية عراة (وسط صيحات فرح المتوحشين الذين وزعوا فما بينهم لباسهم وأشياء أخرى)، ثم قطعت أطرافهم وطبخت وأكلت لقمات، بهدوء كبير، تعقبها جرعات مشروب يتصاعد بخاره تصحبه بعض أغاني تبدو لأي واحد أنها سلمية لو لم تكن تالية لهذا الاحتفال الشعبي الجنائزي (228)

فالاحتفال الجنائزي، يتدخل كقصة في القصة الرئيسية للتهوين من المأساة الشخصية أمام المآسي الجماعية الخرافية، بغرض إحداث تطهير لروبيرتو من عشقه الزائد وتجربته الوجودية.

لا يولد الروائي روايته من متخيل الأدب وحده، بل يلجأ إلى متخيل العلم والتقنية بكل ميثيتها الأدبية، لأنه يعتبر الاستدلالات العلمية تنهل من أقصى الهذيانات الحكائية. ففي تاريخ العلم توجد وقائع أكثر روائية مما هو موجود في الروائي لذلك يعيش إمبرتو إيكو مشهد جراح كلب في (جزيرة اليوم السابق) من مخطوطات القرن 17 وتجارب أكبر علماء الفترة، الذين كانوا يقيسون مسافات الطول والعرض للكرة الأرضية اعتمادا على آلام الكلب-الانسان، والتي كانت تنجز على بيسكارا في الرواية كأشياء غير طبيعية في الطبيعة :

كان بيسكارا طوال الرحلة يشبه كلب سفينة (لا ماريل) يتألم في اصفاده، إذ كان سجانوه يفتحون جرحه كل صباح، ليعالج فيما بعد بعض الشيء، فبيسكارا الذي قضى كل هذه الشهور مهووسا بفكرة واحدة: هي الانتقام من فيرانت... سيظهر فجأة خلف ظهر فيرانت الذي كانت إحدى قدميه على حافة السفينة مما جعل بسكارا يمد ذراعيه ليقيده بسلسلة عقدها حول عنقه وامام وجهه ضاغطاعلى عنقه. وبما أنه كان يصيح : >معى معي إلى جهنم أخيرا< فقد كنا نراه- ونسمعه بالتقريب - مشدودا من عنقه لحد تكسرها بينما تدلى لسانه من بين شفتيه شاتما حانقا إلى أن سقط جسد الضحية دون روح ساحبا معه كمعطف الحسد الحي لمنفذ اعدامه، الذي ذهب منتصرا للقاء الامواج المتلاطمة ، أخيرا بسلام وأي سلام! لم يتوصل روبيرتو إلى تصور أحاسيس (ليليا) عن هذا المشهد، وكان يأمل لو لم تشاهد أي شيء، بما أنه لا يتذكر ما حصل له هو بالضبط... في الحقيقة كان مدفوعا بمسؤولية، فقد لاقى فيرانت عقوبته، ملاحقا قدره في القبر تاركا ليليا في خضم زوبعة (437) .

والطريف في المشهد هو اسقاط حالة الكلب الجريح على الانسان، ليظل جرحه نازفا، ويستبدل الكلب أخيرا بانسان فيرانت الذي حقق انتقاما مزدوجا من عبث الحياة، فتوظيف هذا الاستبدال يخدم عنصر الالفة في القصة بوضع حد لحياة القرين، الذي يعيد إلى روبيرتو هويته الحقيقيه وقصته المسروقة منه . فهل هي الرواية العالمة تلك التي يتساءل عنها السارد؟ أم أن تكسير القراءة الافقية يستدعي كتابة روبيرتو لرواية امبرتوإيكو؟

ماذا سيربح روبيرتو) الكثير ربما، وهو يعتزم إبداع قصة عالم آخر، لا يوجد إلا في فكره، لأنه يصبح سيد هذا العالم، وذلك بعمله على جعل الأشياء التي تجري لاتتعدى قدراته في البقاء، وبالتالي فبحكم كونه قارئ الرواية التي كتبها: ألا يحدث لقراء الرواية أن يحبوا بدون غيرة (تيسبي) مستغلين (بيرام) كوكيل عنهم، وأن يتعذبوا من أجل (استري) عبر (سيلادون) ؟ فالحب في بلاد الرومان لا يعني عدم الاحساس بالغيرة : والشيء الذي ليس لنا نمتلكه إلى حد ما. وما كان لنا في العالم وانتشل منا لا يوجد هنا، حتى لو أن ما يوجد يشبه مال لم يكن لنا في وجوده أو افتقاده... والخلاصة، كان على روبيرتو أن يكتب أو يفكر في رواية فيرانت وحبها (ليليان) : ففي بنائه لهذا العالم الروائي هكذا، كان عليه أن ينسى العضة التي سببتها له الغيرة في العالم الواقعي.

ويزيد روبيرتو في استدلاله لفهم ما حصل لي وكيف سقطت في الاحبولة التي اوقعني فيها مازاران، بإعادة بناء قصة هذه الاحداث والعثور على العلل والحوافز السرية. ولكن هل توجد اشياء أخرى أكثر من القصص التي نقرؤها، أو تلك التي يحكيها كاتبان، عن نفس المعركة أو أن الفظاظات التي نسجل هي من الكثرة حين لا نبتعد عن التفكير في تعلق الامر بمعركتين مختلفتين؟ .وهل يوجد بالتالي شيء أكثر يقينا من الرواية حيث تجد نهاية كل لغز تفسيرها حسب قوانين المحتمل؟ فالرواية تحكي أشياء لم تحدث أبدا ربما، ولكن كان في امكانها الحدوث، فتفسير خيباتي في شكل رواية يعني التأكد على الأقل من وجود طريقة كشف حبكة هذا الخليط المشوش، وبأنني لست ضحية كابوس. وهذه الفكرة تتناقض بمكر مع الأولى لأنها وبهذه الطريقة كان على القصة الروائية أن تواجه قصتها الحقيقية (333) .

نجد أنفسنا هنا امام مجموعة من الاطروحات النقدية والتحليلية : (ابداع القصة/قارئ الرواية/العالم الروائي/العالم الواقعي/بناء القصة/القصص التي يحكيها كاتبان/يقين الرواية/قوانين المحتمل/ القصة الروائية/ الحبكة/القصة الحقيقية) .

من ثم، يندرج إطار (جزيرة اليوم السابق) في سلك الرواية التي تهتم بإشراك قارئها في انتاجها بتكسير أفقية السرد، دفعا بالقارئ المحتمل إلى التساؤل بدل استهلاك المعنى والبحث عن أفق انتظار المعنى الروائي على اعتبار أنه تحصيل حاصل تواجه فيه القصة الروائية القصة الحقيقية .

يراوح الروائي إذن بين دور البطولة الأولى والسارد وكاتبه وموضوع كتابته إذ لا شكل لمتخيل يمكنه التعبير عن قضية حب مستحيل غير شكل الرواية، لهذا وجدت صناعة الجنس لاسعاد قراء بفن محتمل أو ظلا له أدنى الحدود . فهل نسي امبرتوإيكو وضمن أحد دروسه حول الرواية في الرواية، أم هو تعمد العارف لتقليص الحدود بين الناقد والروائي؟

ليس على القارئ إلا أن يستوعب فن الرواية بعد أن عانى في تلقي احداثها وطاف القرن 17 ونصف الكرة الأرضية بحثا عن القرن العشرين ومكوناته في الذاكرةالموروثة:

وأخيرا يبرهن روبيرتو على أن قصته هي قصة حب امرأة: فوحدها الرواية بالتأكيد لا القصة تهتم بمسألة الحب ووحدها الرواية لا القصة تهتم بتفسير ما تفكر وتحس به بنات حواء، اللواتي أثرن على احداث نوعنا منذ أيام الجنة الأرضية إلى جهنم ساحات زماننا . كل ذلك يعد حججا معقولة، كل واحد منها على حدة وليست كلها. من ثم، يوجد اختلاف بين من يفعل بكتابة رواية وبين من يتعذب غيرة، فالغيور يسعد بتقديم ما يريد حدوثه - ولكنه في نفس الوقت يرفض الاعتقاد بحصول ما يحدث فعلا- بينما يلجأ الروائي إلى كل الصناعات شريطة أن لا يسعد القارئ فقط بتخيل مالم يقع، ولكن أن ينسى إلى حد ما أنه بصدد قراءة واعتقاد حدوث كل ذلك واقعيا. فقراءة رواية كتبها الآخرون تعد مصدر ألم جد كثيف بالنسبة للغيور، لأنه كيفما قيل، فإن له الاحساس بأن ذلك يحيل على قصته لنتصور غيورا على أهبة ابداع قصته الخاصة، ألا نقول عن الغيور بأنه يجسد الظلال؟ إذن فبحكم ابداعاته للظل، لتكن هذه الابداعات شخوص رواية، وبما أن الرواية أخت من نفس لحم ودم القصة، فإن هذه الظلال تظهر جد سمينة للغيور وأكثر كذلك -فبدل أن تكون ظلال الآخر- فهي ظلاله الخاصة. ومن جهة أخرى فرغم ما للرواية من فضيلة فلها عيوبها التي كان على روبيرتو أن يعرفها (334)

فقاموس الناقد الروائي يتوالد باستمرار : (قصة/رواية/كتابة الرواية /الروائي/ الصناعات / القارئ/التخيل/القراءة/الرواية/الظلال/الشخوص/فصيلة الرواية/عيوب الرواية)، وكما يظهر بالرواية الوعي النقدي، يبرز بها الوعي الفلسفي للخلفية الفكرية لأنها فلسفة لاستعمال اللسان السليط، الذي يخلص صاحبه من الأحكام المسبقة، ليكشف له عن المنطق الطبيعي للحكي لحد أن الرواية تطلب من كاتبها كتابتها: (سيدي اصنعني، إنني جد جميلة) فالهدف إذن هو ايجاد جمالية تقينا من رداءة واقع لطرد مأساويته وتحفيزنا على الصراع :

تجهم القديس سافان لحظة، وقال : >حين كنت في سنكم تقريبا كنت معجبا بمن كان بالنسبة لي كأخ أصغر، كان فيلسوفا وراهبا فوق كل ذلك. وقد انتهى على محرقة تولوز، ولكن قبل ذلك نزعوا لسانه وخنقوه، وهكذ ترون إذا كنا نحن الفلاسفة نمتلك لسانا لدقا، فليس فقط كما يقول هذا السيد البارحة لاعطائنا لهجة جديدة، بل لكي نستفيد منه قبل أن ينزعوه منا. وبعبارة أخرى وخارج المداعبة فلكي نتخلص من الاحكام المسبقة وحتى نكتشف المنطق الطبيعي للأشياء... في أية رواية تفكر؟

-أحيانا انظر إلى القمر والتخيل بأن تلك اللحظات فوقنا هي عبارة عن كهوف ومدن وجزر، وأن الامكنة المشعة هي تلك التي يتلقى منها البحر نور الشمس كزجاج مرآة. أريد أن أحكي قصة ملوكهم وحروبهم وثوراتهم وشقاء العشاق هنالك وأولئك الذين يتأوهون خلال لياليهم وهم ينظرون إلى الأرض. أحب أن أحكي قصص الحرب و الصداقة بين مختلف أجزاء الجسم، عن الأذرع التي تحارب الأقدام، والعروق تضاجع الشرايين أو العظام مع النخاع.

كل الروايات التي أريد صنعها تضطهدني، وحين أبقى بغرفتي يتخيل إلي أنهم يحيطون بي فجأة كما لو كانوا شياطين صغيرة يجرني أحدهم من أذني، والآخر من أنفي، وكل واحد منهم يقول لي: >سيدي اصنعني انني جميل< وفيما بعد أدرك بأن في امكاننا حكاية قصة جد جميلة باصطناع مبارزة أصيلة) (78/77) كيف تكون المبارزة أصيلة؟ أفي شكل رواية الفرسان؟ أم في نسيجها؟ أم في النموذج الذي نحن بصدده، حتى لا نذهب بعيدا؟ إن الحكي وحده هو المحك الحقيقي للأحداث : (وحسب كل الحكي، نخلص إلى أن روبيرتو قد عاش الاحداث المستقبلية في حالة نزيف، وعلى هذه الشاكلة سيستمر في الايام القادمة (140) .

أية أيام قادمة غير تلك التي يركب فلسفتها روبيرتو بحثا عن التفرد والتمايز الذي اختزله صراع روبيرتو (و) فيرانت:

وهنا أراد روبيرتو ابداع خط لم يفكر فيه أي كاتب رواية، عساه يعبد أحاسيس هذا الحيوان الذي يستعد لغزو المدينة التي تختزلها أوروبا في الحضارة، وآسيا في التبذير وافريقيا في شططها وامريكا في غناها، حيث للجدة فضاؤها وللتضليل هيمنته وللترف مركزه وللشجاعة حلبتها وللجمال نصف دائرته وللموضة مهدها، وللفضيلة قبرها. ومن فم فيرانت صدرت عبارة متعجرفــــــــة: > إلينا نحن الأثنين ياباريز< (340)

وتكاد الرواية تسقط كل امتدادات القرن 17 على قرننا الحالي، لتتحول إلى شرور (القسمة الضيزا) لمصير انسانية حدد قدرها منذ قرون... من هنا يدخل فيرانت قرننا ببطولة وهوية مزيفة، يحاول روبيرتو كشفها :

لا يفهم روبيرتو فيما إذا كان عدم الانتباه هو ما يجعل أقوال وأفعال شخص آخرتنسب إليه كل مرة أو انها إشارة فقط .فما يحصل له يدفعه إلى تأليف هذه المشاهد النادرة لقصة كم هي مقلقة (164) .

ومصدر القلق هنا كامن في تأليف مشاهد قرن توجد أصوله في قرن سابق، يعبر عنه ناقد الرواية مرة ثانية في شكل راهب وملقن للمتعة ومخاطب يتخذ لهجة المعلم :

لقد قرأتم كثيرا من الروايات، قال له القديس سافان و تبحثون عن احياء واحدة منها لأن واجب الرواية هو التلقين عبر الترفيه، وما تعلمه هو لمعرفة مكائد العالم .

-وماذا يلقنني إذن ما تطلقون عليه رواية فيرانت؟

- وفسر له القديس سافان أن على الرواية دائما أن تعتمد على التباس ما كأساس، على شاكلة الشخصية والحركة أو المكان والزمان والظروف، وعن هذه الالتباسات الاساسية، يجب أن تتولد الالتباسات العرضية من تغليفات وتقلبات، وأخيرا النهايات السعيدة وغير المنتظرة (79) .

ويعود الروائي عبر ابطاله وسارده إلى التحاليل النقدية كاشفا عن سر الصناعيين : صناعة الرواية وصناعة النقد، كما يعلن السارد عن ضرورة الاقلاع عن الخلط بين الرواية والواقع:

من الآن فصاعدا لم يعد روبيرتو مستعدا للخلط بين الرواية والواقع فقط، بل لمزج قوة الروح مع قوة الجسد، احس لهيب الحب ولهيب ليليا! ما الذي يخل بهذه الأخيرة بعد أن تلحق جثة فيرانت بجزيرة الاموات؟ وبواسطة خط يعد نقطة نادرة عند ساردي الروايات حينما لا يعرفون كيف يوقفون عدم صبرهم ولا يحتفظون بوحدات الزمن والمكان. من ثم قفز قفزة فوق الاحداث للعثور على ليليا. بعد أيام ظل فيها ملتصقا بهذه الخشبة، بينما كانت هي تتقدم في بحر هادئ الآن ولامع تحت الشمس وكانت تقترب... وهذا ما لم تجرؤ عزيزي القارئ على التنبؤ به من الشاطئ الشرقي لجزيرة سالومون في الجهة الأخرى المقابلة لموقف سفينة (دافن) (442).

يواجه السارد قارئه المتخيل بطريقة يشدد فيها على هويته:

عزيزي القارئ بنهاية لا يتوقعها، كما لو كانت هناك مواجهة خفية بين الاثنين : بين من ينتظر نهاية سعيدة ويفاجأ بنهاية مفتوحة على كل الاحتمالات، فربما كانت كتابة الرواية هي أن نحيا بواسطة شخصيات محتملة، ننخرط في عوالمها دون قدرة منا على قول أنا - الشخصية، أو إنهاء حياته أو تأجيل قصصهم بعزاء واحد هو أن هذه الخدائع الروائية لا معنى لها ربما، خاصة وان سارد (جزيرة اليوم السابق) يعتبر أن هناك بعض الأشخاص ما كانوا ليحبوا أبدا لو لم يسمعوا من يتكلم عن الحب. من ثم يتساءل السارد عن : (ماهي الطريقة الجيدة لإنهاء رواية؟ فالروايات لا تؤشر فقط إلى الحقد عساها تجعلنا في النهاية نستمتع بهزيمة أولئك الذين نكرههم، لكنها تدعونا جزئيا إلى التعويض حتى تقودنا إلى اكتشاف أولئك الذين نحبهم خارج الخطر. إنها روايات تنتهي إلى الاسوأ، لكن روبيرتو لم يقرأها أبدا، إلا إذا كان روبيرتو لم ينته بعد، وأنه ظل بطلا سريا احتياطيا قادرا على حركة ممكنة التخيل في البلد الوحيد للروايات (446) .

فالبلد الوحيد للروايات تعبير عن وهمنا الخاص وارواحنا بضيافتها وحدوساتها التي تحاول اختراق العدم بقصة العدم على أوراق تستخلص منها محكيات تتقاطع وتتشابك مع استيهاماتنا التي تنزع إلى استخلاص رواية من طروس تمسح ليكتبها مرة ثانية مالا يستطيع الفضول السخيف للقارئ الذي يريد في العمق معرفة مصائر ابطاله في عمل تظاهر برواية أشياء حقيقية.

إن الكتابة جميلة حقا لكنها تفقد رونقها مع الزمن، فهي ليست أكثر من حفرة في الأرض ذات محتوى لا يتعدى تمارين عرفية خاصة إذا عرفنا كيف يكتب كتاب قرننا حتى وهم أناس دون أرواح.

ورغم أن إمبرتو إيكو يتصور "جزيرة اليوم السابق" كوكبا مثاليا فهو يكشف عن الإغراء الذي يظل أقوى من الاكتشافات التي انطلقت في القرون السابقة واللاحقة لينتهي على خلاف ما يدعيه من ترك نهاية مفتوحة لروايته، لأنه يقدم لنا شبه عبرة عن رواية الاطروحة التي تكشف كل أوراقها لكنه يعرض ذلك بنوع من المواربة والالتباس اللذين تتطلبهما روايته على لسان سارده الكامل المعرفة طبعا :

وخلص أنه ليس هنا أي تقليد لطيور الجزيرة ذلك أن حيوانات الجزيرة تتساوى مع لغة الطيور الاكثر انسانية ...أما وهو يفكر في المرأة وبعدها عنه، فإنه خلال اليوم السابق قارن ذلك الابتعاد خارج حدود الأرض لغرب إذ أخذ يحدق في الجزيرة بالمنظار المقرب للمسافات والذي لم يكشف له عن شيء سوى علامات باهتة محدودة، كما لو كان ينظر إلى صور نراها في مرايا محدودبة، تعكس جهة واحدة من غرفة واحدة، تفترض كونا كرويا لانهائيا مذهلا.

كيف ستظهر له الجزيرة فيما لو وطأتها أقدامه؟ فحسب المشهد الذي يراه من شرفته والعينات التي وجد منها شواهد بالسفينة ربما كانت هي جنة عدن تلك التي تجري بها أنهار اللبن والعسل وسط فواكه كثيرة وحيوانات أليفة! عن أي شيء آخر يبحث الناس في هذه الجزر جنوب الكرة الأرضية، هؤلاء الشجعان الذين يبحرون متحدين عواصف البحر المحيط الموهمة بالسلام؟

أليس ذلك هو ما يرغب فيه الكاردينال حين أرسله في بعثة لاستكشاف سر سفينة (الاماريلي) وامكانية وضع علامات شعار فرنسا على أرض مجهولة يحدد بها أخيرا عطاءات شعب لم تمس بخط بابل ولا بالقيامة العالمية ولا بالحصيلة الآدمية الأولى؟ على الناس أن يكونوا مخلصين بسمرة بشراتهم، وإن كان القلب سليما، غير منشغلين بجبل الذهب والمغارات الذين يعدون حراسها غير المعتبرين. ولكن هكذا شاء لها القدر، أليس هذا تجديدا لخطيئة أول مخطئ في أن نرغب في فض بكارة الجزيرة؟ ربما كان القدر يريدها طائرة تشهد على جمال لا يراد له الازعاج أبدا؟

أليس هذا مظهر الحب الأكثر انجازا؟ كما تبشر به المرأة في أن نحب من بعيد متخلين عن كبرياء الهيمنة؟ فهل يعد الحب الذي يأمل في الغزو حبا ؟ (100) .

 

 

 
 
 

مجلة عــلامات

العدد 10 - 1998

المحتــوى

الافتتاحيـة

محـور العـدد: التلقي والتأويــل

التلقي والتأويـل: محمد بنعيـاد

سيميائيات التلقي: أ. إيكو - ترجمة: م. العماري

السيميوزيس والتأويل: سعيد بنگـراد

فعـل القـراءة: محمد خـرماش

 تواصل الواقع والمتخيـل: محمد ليشوتي

 االتلقي المكاشف: محمد بالاشهب

«أمام القانـون»: قراءة في ضوء جمالية التلقي: إ. گيلـي

***

رواية «جزيرة اليوم السابق»: قراءة وتقديم سعيد علـوش

فن الروايـة: م. كانديـرا

المسرح المغربي المكتوب بالفرنسية: حسن يوسفـي

نظرية الامتداد في الصرف العربي: أحمد الفوحي

 

 

 
 
معجم السيميائيـات متابعـات نقديــة ترجمــــات

دراســــات

مؤلفــات بطاقة تعــريف الصفحة الرئيسيـة
للاتصـــال   مواقـــع  خزانات الموقـع صحف ومجـلات رسائل وأطروحـات وحدة تحليل الخطاب مجلـة عــلامات

موقع سعيد بنگراد - تاريخ الإنشاء: نونبر 2003