وداعا أومبيرتو إيكو

رحيل آخر الكبار

 سعيد بنكراد

 

من الرغبات الدفينة عند الكائن البشري هي أن يشهد مراسيم جنازته، يفعل ذلك وهو يُطل من كوة صغيرة خلف الستائر على الجموع التي جاءت لتوديعه. قال أومبيرتو إيكو هذا سنة 1996 في كلمة ألقاها في ختام ندوة علمية نُظمت في سريزي Cerisy حول أعماله. فقد طرحوه، في ذلك اللقاء العلمي الكبير، جثة "حية" على بساط التحليل، تحدث الباحثون يومها عن إسهاماته في كل المجالات وجادلوه فيها: في السميائيات أولا، فهي المصب الذي تنتهي عنده كل الروافد، ثم في كل أشكال الكتابة، في الرواية والسخرية والسجال والفن والعمل الصحفي والتأمل الفلسفي.

لم تكن تلك الندوة إيذانا برحيل قريب، كما لم تكن دعوة إلى انسحابه من ميدان لم يعد قادرا على العطاء فيه، بل كانت في الأصل لحظة تاريخية فَهِم الناس فيها ما قاله من قَبْلُ واستطاعوا استيعاب مضامين ما يمكن أن يقوله بعد ذلك. ففي سن الثامنة والسبعين من عمره كان ما يزال "ناشئا وواعدا لم يكتب سوى خمس روايات، وسيكتب الكثير غيرها في ما سيأتي من الأيام"، كما صرح بذلك في كتابه "اعترافات روائي ناشئ"(2013)، وهو الكتاب الذي بسط فيه القول في تجربته الروائية في كل جوانبها بما فيها الحديث عن القصديات المختلفة والتأويل وتشكل السيرورة وبناء شخصيات التخييل.

لم يتوقف عن القراءة والكتابة أبدا، وظل ذاك ديدنه من منتصف الخمسينات من القرن الماضي إلى يوم وفاته في التاسع عشر من فبراير الحالي 2016. كانت إسهاماته متنوعة وغزيرة، بدأت بعلم الجمال القروسطي، وذاك كان موضوع  أطروحته، وظلت مغامرة البحث العلمي مفتوحة على كل المجالات، بما فيها كتاباته السياسية حول الفاشية والعنصرية والهجرة والنزوح والأنا والآخر. لقد كان يتوفر، في كل ذلك، على قدرة هائلة على العيش في الماضي بأفق حاضر يتجدد باستمرار. وهو ما عبر عنه مرة بقوله: " إن الذي لا يقرأ لا يعيش في سن السبعين سوى حياة واحدة، هي حياته، أما الذي يقرأ فيعيش 5000 سنة".

كان سميائيا من طراز خاص، لم يقدم خطاطات ونماذج تحليلية " تًهدي" الباحثين و"تدلهم" على مكامن الحقيقة في الوقائع، بل بلور رؤية للعالم تتخذ من العلامات سبيلا وحيدا إلى قول شيء ما عن حياة الإنسان في الأرض. فكانت تصوراته لكل الأنشطة الفكرية، في الإبداع والإنتاج المعرفي النظري، قائمة على فرضية وحيدة هي أن الأشكال الرمزية وحدها يمكن أن تكون منفذنا إلى معرفة ممكنات العالم الخارجي، فهي لا تكتفي بالتعيين والتسمية، بل تحتضن، فيما هو أبعد من الإحالات المرجعية المباشرة، كل ممكنات الوجود بكائناته وظواهره.

كان ينهي كل لقاءاته مع رولان بارث بجملة لا تتغير أبدا:" لا تنس، يجب القضاء على المرجع". وذاك هو المنطلق المركزي لكل شيء في سميائياته. فموضوع السميائيات هو المعنى ولا شيء غيره، فلا دخل للأشياء في ما يقوله الناس من خلال أجسادهم أو يتداولونه في لسانهم وتمثيلاتهم البصرية. فما يأتي من الخارج مثيرات حسية لا قيمة لها إلا عندما تستوي داخل قوالب رمزية هي وحدها الدليل على وجودنا في الحياة، فالوجود معنى. وذاك بعض من بورس في تصوراته، فالتمثيل عند مؤسس السميائيات الحديثة، ناقص دائما والأشياء موجودة كأقسام محددة في أنواع مفهومية تدل عليها، وخارج ذلك ليس هناك سوى العدم، كتلة من عماء لا حول ولا قوة للأشياء داخلها إلا في استيطانها للعلامات.

 وهي الفرضية التي ستقوده إلى الدعوة إلى سميائيات جديدة قوامها التأويل، فنحن لا نتوقف عن الإحالة، وإذا حدث أن توقفنا، فإننا لن نحدد سوى لحظة تتحرك خارج الامتداد الدلالي، إنها لحظة عابرة سرعان ما تبتلعها سياقات جديدة وتصبح جزءا من سيرورة جديدة وهكذا إلى ما لا نهاية. ذلك أن الكلمات، على عكس ما يتصوره العامة من الناس، لا تُعيِّن، بل هي حامل لمعانٍ تعود إلى ما تقوم بتعيينه، وهي بالتبعية "لا تدل على شيء، بل تشير إلى شخص يفكر في هذا الشيء"، كما كان يقول بول فاليري. إن المعنى، استنادا إلى ذلك، ليس في المرجع، بل في ما يودعه الإنسان في كائناته وأشيائه. ولإدراك سر هذا المعنى وامتداداته وجب التخلص مما يشوش على التمثيل الرمزي أو يحد من سلطانه.

لا يعني هذا في تصوره هروبا من واقع لا راد لوجوده، فالعالم موجود في ذاته، ولكنه لا يمكن أن يدل في انفصال عن وجودنا داخله. وذاك أيضا شيء من هوسيرل في سميائيات إيكو. لا يُنظر في الظاهراتية إلى الإحالة المرجعية باعتبارها رسما لحدود شيء موجود في العالم الخارجي، بل باعتبارها رابطا بين التجربة الإدراكية والكفاية الدلالية. فالذي يرى يعني ويدل في الوقت ذاته: نحن أمام نشاطين من طبيعة واحدة، ويتحققان ضمن أفق من طبيعة رمزية.

بعبارة أخرى، هناك رابط وثيق بين المدلول اللساني والمدلول الإدراكي، كما كان يردد وهو يتحدث عن التجربة البصرية. ولا يُمكن للثاني أن يكون إحالة على " ظاهر" يتحرك في خلاء، بل هو إمساك بمحددات هي ما يشكل هوية الشيء وجوهره. إننا، بعبارة أخرى، لا نرى، بل نمنح موضوعات إدراكنا معنى ما. وبذلك تكون الإحالة اللسانية على شيء خارجي رابطا بين موضوعين سميائيين من طبيعتين مختلفتين: ما يعود إلى مضمون فعل الإدراك، وما يشير إليه مضمون التعبير اللساني.

ومع ذلك لا يمكن فصل هذا عن ذاك، ففيهما تتحدد الهوية الرمزية لما تعيد اللغة صياغته. وهذا معناه أننا لا نُمسك بالشيء استنادا إلى إدراك "خام"، بل نفعل ذلك انطلاقا من عُدة مفهومية تستوعب الشيء في الذهن لا في وجوده الحافي. والحاصل أننا لا نتعرف على الأشياء ونحتفي بها، بل نملؤها معنى. وبذلك تصبح القراءة، استنادا إلى كل ذلك، تأملا في ما يبنيه الرمز من عوالم، لا بحثا عن حقيقة مودعة في أشياء خارجية هي مثواها ومصدرها.

وسيعيد إيكو صياغة كل ذلك في نظرية للقراءة مفتوحة على الكثير من التصورات، غير أنها متميزة عنها: فهي تشتهي كل المعاني، ولكنها تفاضل بينها، وتتنكر للمركز في النصوص، ولكنها توكل أمر بنائه إلى القارئ، وتُحَرِّم على المؤلف الانحياز إلى استراتيجية دون غيرها، ولكنها تمنحه حق التوجيه من خلال الاعتراف بقصد النص. تحدث عن كل هذا من خلال مجموعة من المفاهيم كان هو من نحت الكثير منها، من مثل: "الموسوعة" و"القاموس الأساس" و"الافتراض التأويلي" و"السيناريو" و"التقليص" و"السميوز المفتوحة"، وهي مفاهيم جديدة لا يدرك سرها إلا الذين احتكوا بسميائيات التأويل، كما انبثقت من التعريفات المتعددة التي قدمها بورس للعلامة.

وضمن هذه القراءة سيتحول ما كان يبدو في القراءات التقليدية باعتباره حقيقة موضوعية تتمتع بوجود خاص، إلى مجرد افتراض دلالي لن يعرف سبيله إلى التحقق إلا من خلال ذات تتبناه وتُدرجه ضمن قناعاتها. ولكن هذه الحقيقة ذاتها ليست مودعة في ذاتية تتأبى على الخارج وتتحرك في ملكوت خاص، بل تقوم ببنائها ضمن ممكنات الموسوعة وضدا عليها في الوقت ذاته. إن التشخيص عابر للعين أما الرمز فمقيم داخلها.

وتلك الأسس هي ما سيشكل أيضا إسهاما حقيقيا في دراسة الصورة وكل أشكال التمثيل البصري. فلم تعد الصورة عنده استنساخا ولا إعادة إنتاج لما هو موجود، بل صياغة بصرية جديدة للعين فيها فضل كبير. وقد أفرد لذلك الكثير من الدراسات لعل أهمها كتابه " إنتاج العلامات"، وجزء كبير من كتابه "البنية الغائبة". فلا حقيقة في الصورة سوى الحقيقة التي تُبنى بشكل مسبق في بنية إدراكية هي الضابط للحدود الفاصلة والرابطة في الوقت ذاته بين تجربة التمثيل والوجود الحقيقي للممثل في الواقع. وهذا الشكل الوجودي هو الذي يحاول "العصر البصري"، بلغة ريجيس دوبري، استثماره إلى حدوده القصوى من خلال التغطية على حقيقة الوجود الرمزي بوجود وهمي يتنكر للواقع ولا يلتفت إلى موحيات التمثيل في الصورة في الوقت ذاته. 

وبالنفَس السميائي ذاته أيضا كتب كل رواياته، فقد تعايش داخله الروائي والسميائي ومارسا هوايتهما في وئام تام على امتداد ثلاثين سنة. كان خلالها يعبر عن حقيقتين مختلفتين في التجلي لكنهما متطابقتين في الجوهر. والذين ألفوا أعمال هذا الكاتب يدركون جيدا أن العين التي كانت تصف وتُعدد مزايا الأشياء والكائنات في رواياته لم تكن سوى عين عالم بالعلامات ومدرك لأسرارها ( الفصل الأول من " اسم الوردة" حيث يقدم البطل تفسيرا لسلسلة من الظواهر الطبيعية، وكذلك الأمر مع "اللوائح" التي يشير إليها في "جزيرة اليوم السابق" و"باودولينو"). لذلك كانت الرواية عنده من نظام خاص، فعلى عكس الشعر الذي يُبنى في الكلمات ومن خلالها، فإن الرواية تبدأ ببناء عالم، وبعد ذلك ستأتي الكلمات طيعة: لا وجود لشاعر يخطط لقصيدة، ولكن لا وجود لروائي يكتب عفو الخاطر، إنه يرسم حدود فضاء ( بالمعنى العام) يستوعب أحداثا تكشف عنها الكلمات.

ووفق هذا التقابل أيضا كان يتصور الحقائق التي يعبر عنها في المجال النظري وفي المجال السردي. "فالمعرفة في الخطاب العلمي ملفوظ، وهي في الكتابة تلفظ " (بارث)، وشتان ما بين الحالة الأولى والحالة الثانية، فالملفوظ إنتاج محايد لكم معنوي، إنه صامت لا روح فيه، أما التلفظ فبقايا الذات في ما تقوم بإنتاجه، إنه انفعال إنساني، أو هو إمساك بأحوال الذات وابتهاجها بنفسها وما يحيط بها. تماما كما تختلف حقائق الأدب عن حقائق التاريخ، وهو أمر  فصل القول فيه في الكثير من كتبه التي صنفناها في ترجماتنا ضمن التأمل الصوفي في النصوص السردبة : "تأملات في السرد الروائي"، "اعترافات روائي ناشئ "،" آليات الكتابة السردية".

وهو ما عبر عنه بقوله: "عندما أكتب كتابا في السميائيات، فإني أتحدث عن حقائق صغيرة أدافع عنها بكل قوة، ولكنني مستعد للتخلي عنها في اليوم الموالي، أما عندما أكتب رواية، فإني أتظاهر بقول الحقيقة، إني أروي أحداثا لم تقع أبدا، ولكنني أعتقد من خلالها أنني أرسم حدود حقيقة لن يشكك فيها أحد، ذلك أن الله ذاته لا يمكن أن يغير من مصير شخصية من شخصياتي". وهو ما يعني أن حقائق السرد أقوى من حقائق النظريات، دون أن يقود ذلك إلى تقابلهما في تصوره. إن الحقيقة النظرية وصف لعالم موجود، أما حقيقة السرد فبناء تحدده سياقات تتم في المتخيل. الأولى مفتوحة على نظريات أخرى منها تستمد قوتها وصدقيتها، أما الثانية فتبنى ضمن عالم ممكن داخله فقط يمكن أن تكون صحيحة أو خاطئة.

تلكم بعض من إسهامات إيكو الفعلية في ميدان السميائيات عامة وفي ميدان التأويل خاصة: الدعوة إلى التخلص من التشخيص لإعادة قراءة النصوص وفق نظامها الرمزي. إن كل شيء يتم داخل النص، والسقف الثقافي الحاضن للتأويل مودع في الموسوعة لا في قصد المؤلف أو قصد الأشياء. وهو ما يعني أن الغنى التي تحتضنه النصوص لا يمكن الوصول إليه من خلال الاكتفاء بفك أسنن الظاهر، بل يجب صبه في وعاء مجرد هو ما يقودنا إلى الإمساك بالحقيقة فيها.

وهذا جزء من العوائق التي تعترض سبيل الباحثين في النصوص الدينية عندنا وما يُمنعون من القيام به. والحال أن الإخلاص للوجه المرئي للوقائع الموصوفة فيها، هو مصدر التشدد والتعصب والقتل على الهوية الدينية أو المذهبية. فما يوصف في النصوص عادة ما يؤول استنادا إلى إحالاته المرجعية، لا وفق ظلاله الاستعارية أو الرمزية، وذاك إفقار لجزء كبير من تراثنا.