المرأة: الأنثى الخالدة في كل الضمائر

 

سعيد بنكراد

 

جهد رائع وكبير بذلته المرأة المغربية وكل نساء العالم من أجل استعادة حق ضاع ضمن أحكام اجتماعية وعقدية لم يتوقف تناسلها إلى زمننا هذا. لم تعد المرأة ظلا لغيرها، بل أصبحت صوتا مستقلا يرفض ويقبل استنادا إلى رغبة تخصها وحدها، لا انصياعا لإرادة عليا لا سلطان للناس عليها. وقد قدمت من أجل ذلك تضحيات هي جزء من تضحيات مجتمع يريد أن يكون حرا بكل أفراده. فما يميز القضية النسائية هي أنها ليست نضالا طارئا ضد السلطة، بل هي معركة ضد نظام قيمي شامل، بما فيها قيم السياسة والنقابة والاجتماع واللغة. وذاك ما يؤكده التفاوت الكبير بين صورتها في "النصوص"، باعتبارها "عورة"، وبين حقيقتها في الواقع الاجتماعي، باعتبارها فاعلا اجتماعيا كامل الأهلية والكفاءة.

ما تحقق قليل في هذه المعركة قياسا لحجم الضرر الذي لحق المرأة؛ ولكنه دال، مع ذلك، على رغبة النساء في العودة بالرحلة إلى نقطتها الأولى حيث كانت سيدة الكون كله، "أنثى كونية" تبعث الدفء في محيطها وتنبثق الحياة من بطنها. وتلك حقيقة في التاريخ، لا استيهامات شاعر وَلْهان؛ فقد كانت المرأة هي من أَوْقَد شعلة النار الأولى في الكون، وبهذه الشعلة استنار الرجل وعرف طريقه إلى التأنسن، لذلك كانت حرية الرجل دائما مستمدة من حرية المرأة. لقد كان خصبها هو خصب الطبيعة ذاتها، ففي جسدها ترقد الحياة وتستفيق وتشد الوجود إليها من خلال عطائها وحيضها ونفاسها، وبذلك كانت ومازالت تضاهي بجسدها سرا من أسرار الطبيعة. إن " المرأة هي مستقبل الرجل" كما يقول الفرنسيون.

 قد يكون نضالها محدودا في أوساط النخبة من النساء والرجال، ولكنه يُعد، مع ذلك، محاولة لرسم حدود صورة مثلى يتجسد فيها "سلوك افتراضي" متحرر يمكن، أو يجب، أن يُعمم على نساء المغرب كله. وكل شيء يبدأ ببناء النماذج، وتلك ميزة السلوك الإنساني وحده، فمن لا يُحِس الحرية داخله، لا يمكن أن يقوم بفعل يتحرر من خلاله هو والآخرون. إننا نعيش هذه القيمة باعتبارها حلما قبل أن تتجسد في تفاصيل حياتنا. يكفي لإدراك هذا الجهد التذكير بما قامت به النساء في العقدين الأخيرين في السياسة والحقوق والعمل الاجتماعي والتشريع.

لقد قامت المرأة بما لم يقم به الرجال لحد الآن. لقد كانت وحدها في المجتمع من "شكك" في النصوص، نصوص الدنيا والدين والسياسة. وبذلك استطاعت أن تحرر جزءا من جسدها وروحها من ربقة أحكام لا شيء في وجود المرأة وسلوكها يبرره أو يفسره. لقد فرضت إعادة قراءة هذه النصوص في ضوء ما هي عليه الآن من العيش، لا ما كانت عليه النساء في ما مضى. وكان ذلك تأكيدا أننا لا يمكن أن نعيش اللحظة الراهنة ضمن كَمٍّ زمني ولى. لقد ضاقت دائرة الإطار التشريعي الذي رسمته الفتاوى والتقنينات القديمة ولم تعد قادرة على استيعاب وعي معرفي وأخلاقي وقيمي يتجدد باستمرار؛ فكانت مشروعية المعركة التي خاضتها النساء من أجل تصحيح وضعها في النصوص مدخلا لتغيير وضعها في المجتمع.  

من مدخلات ذلك، أو من شروطه، أن المرأة لا يجب أن تحضر في الفضاء العام والخاص استنادا إلى نص عقدي أو اجتماعي، فهذان اختيار خاص، بل استنادا إلى قانون ينظم العلاقات بين أفراد متساوين في الحقوق والواجبات. وهو ما يعني إلغاء الازدواجية في الأحكام: حكم القانون الوضعي الذي يطبق على كل المواطنين رجالا ونساءً، وحكم اجتماعي أو عقدي مستمد من نصوص أخرى يُطبق على المرأة  وحدها. فلا قيمة للقانون الأول، في حالتها، إلا إذا كان أداة لتمرير نصوص موجودة خارجه، ذلك أن المرأة موجودة في هذه النصوص في المقام الأول، وليست حاصل ما يمكن أن تكشف عنه الممارسة الثقافية والسلوك الفعلي، واستنادا إلى هذه الحقيقة يتحدد الموقف من المرأة والإغراء والجنس وضبط العلاقات بين الرجال والنساء.  

ما أنجزته المرأة في السياسة كبير، ولكنه سيظل ناقصا إذا لم يواكبه عمل من نفس الحجم يتم على مستوى تفكيك البنية الرمزية. ذلك أن المعركة ليست في السياسة وحدها. السياسة غطاء وشرعية وقوانين تحمي الفاعل من شطط السلطة السياسية، أما ما يتم تسريبه إلى البنية الذهنية من أحكام تخص شكل حضور المرأة في الفضاء العمومي فمستقل عن القانون ويحتاج إلى نضال خاص. يتعلق الأمر بمعركة تُخاض في الأذهان. يجب أن تكون لنا القدرة جميعا، نساء ورجالا، على تفكيك ما يبدو "طبيعيا" و"مألوفا" ويعشش في التفاصيل ويتحكم، خارج القانون، في المرأة ويحدد لها سلوكا لا يتطابق مع حاجات معيش حقيقي، بل هو صورة رُسمت في نصوص قديمة.

وعلى عكس نصوص القانون، فإن نصوص الدين والمجتمع تختفي في تفاصيل لا تثير شكوك الرائي، إن موطنها السقف الرمزي الذي يغطي على المواقف الحقيقية من المرأة. يتعلق الأمر بالجزء الاستعاري الذي يمكن، خلافا للنفعي المباشر الدال على وجود عارض، أن يكون صالحا لكل زمان ومكان. لذلك لم تحتفظ الكثير من النصوص حول المرأة سوى بوضعيات كبرى أصبحت، وقد تخلصت من التفاصيل التي تخصص، وعاء يستوعب وجود المرأة كله. فنحن نتعلم في البيت والشارع والمدرسة والكتب طريقة في "استهلاك" المرأة، فهي في جميع هذه الفضاءات كائن موجود في " النص الشامل"، لا في حقيقة التاريخ. إنها المبرر الإيديولوجي الذي يستمد بعضا من أسسه من الأحكام الاجتماعية التي تحولت بفعل الجهل إلى قناعات دينية عند البعض، وإلى تبرير ذكوري لممارسة التسلط على المرأة عند البعض الآخر.

وعلى عاتق المثقف تقع مهمة الكشف عن أشكال الاضطهاد الذي تعاني منه المرأة كما تتسرب إلى اللغة في تركيبها وقاموسها ونحوها، ومهمته أيضا في تحديد أشكاله في السرد والإشهار والحكم والأمثال. لن يكون المثقف بالضرورة مناضلا في الشوارع والمقرات الحزبية، إنه صوت الحق والعدالة والحرية والكرامة لكل الناس، للمرأة والرجل والمحيط. إن المثقف لا يساند المرأة، إنه يكتشف حريته عندما تستعيد هي حريتها.