فلسطين

 

القصيدة والكوفية

 

سعيد بنگراد

 

 

لم يكن الشعب الفلسطيني وحده من قاوم الغزاة والمحتلين دفاعا عن أرضه وتاريخه، فهناك الكثير من الشعوب في قارات العالم أجمع فعلت ذلك وقدمت شهداء في سبيل أوطانها. ولكن الفلسطينيين وحدهم وقفوا، لما يقارب القرن ومازالوا، في وجه أشرس استعمار عرفه التاريخ الحديث، وربما القديم أيضا. فالصهيونية لم تكن جحافل جيش يروم اكتساح البلاد، بل كانت في المقام الأول قوة عنصرية مناهضة للتاريخ نفسه. إنها لم تحارب من أجل استعباد شعب أو استغلاله، بل كانت تهدف، على النقيض من ذلك، أو ربما بفعل ذلك، إلى اقتلاعه من جذوره، أي نفيه خارج الأرض والتاريخ، وفصله عن الزمنية الإنسانية ذاتها: فالوجود في الأرض عندها لا يقبل القسمة: شعب مختار واحد موعود بأرض مقدسة لا يجب أن تدنسها الأديان أو الأعراق الأخرى.

لذلك كان الشعب الفلسطيني مميزا في محنته وفي مقاومته. كانت حرب الذاكرة عنده أقوى من وقع المدافع ولعلعة الرصاص؛ فقد يكون هو الشعب الوحيد، على امتداد الخريطة العربية، من خلد اسمه في عوالم الرمز أكثر مما فعلته السياسة والفكر والبندقية. حمل السلاح ليقاتل دفاعا عن أرضه، فابتدع كل أشكال القتال، بما فيها تلك التي نفذها اليائسون من أبنائه، ولكنه، في ما هو أبعد من وقع الرصاصة وحالات الاستشهاد المتنوعة، وَطَّن هذه الأرض في كل فنون القول وكل التعبيرات الرمزية، فتغنى الناس بفلسطين في كل مكان شعرا كما يتغنى العشاق بالحبيبة والحرية والأمل والانعتاق، وتداولوا فيما بينهم قصص المهجَّرين والمطاردين واللاجئين في مخيمات الداخل والشتات. لقد تخلصت فلسطين من الإحالة على انفعال بعينه لكي تكون مصدرا لكل الانفعالات التي تمجد الإنسان حيثما كان.

كنا في الجامعات، في سنوات الاندفاع إلى الأمل الكوني، نتغنى بالشعر الفلسطيني وكأنه الترياق الشافي ضد كل أشكال التراجع والتخاذل، فوحدها الكلمة الفلسطينية المعبئة في القصيدة والرواية كانت قادرة على جعلنا أكثر حماسا وثورية. فكانت الكوفية و"ريتا" و"البندقية" و"العودة" و"كنائس القدس" و"مساجدها" جزءا من أهازيجنا في المظاهرات داخل الحرم الجامعي وخارجه. ولأن مساحات الإغراء أوسع وأشد وقعا من ترتيبات السلطة، فقد كانت فلسطين في الكثير من الحالات تهمة لمن لا جرم له.

بل إنها كانت في أعيننا، ومازالت، أكبر من قضية وطنية تخص شعبا يقاتل، وأكبر من عمق قومي بكل حمولاته في الفكر والثقافة والتراث، لقد كانت تجمع بين الثورة والمقاومة والانعتاق والوحدة والأممية الإنسانية في الوقت ذاته. كنا نختلف في كل شيء، في السياسة والإيديولوجيا، والتكتيك والاستراتيجية، وما يُقدم وما يُؤخر، فلسطين وحدها كانت خارج هذه التفاصيل وهي التي كانت تجمع بيننا. لقد كانت هي الهدف الأسمى، أو هي ما يصنف، بلغة السياسة، ضمن "المبدئي" الذي لا يخضع للنقاش أو التداول في شأنه وكان القرار دائما حاسما: من لا يساند الشعب الفلسطيني مشكوك في نضاله وثوريته.  

وكانت كل أشكال التعبير الفني الفلسطيني موضوع الكثير من أبحاث التخرج عند الكثير منا، وقتها لم تكن هموم البحث والدرس مفصولة عن همومنا السياسية. لقد كان الروائيون والشعراء والتشكيليون الفلسطينيون أعظم في أعيننا من كل السياسيين: كانت فلسطين عند الفنانين واحدة، وكانت عند الآخرين موزعة في التكتيك والاستراتيجية والمصالح القريبة والبعيدة. وربما فلسطين الفن تلك هي التي ظلت، وستظل، حية في نفوسنا في ما هو أبعد من هوى السياسة والتقاطبات الدينية والإيديولوجية والتصنيفات التي جاءت بعدهما.

لم تكن فلسطين في وجداننا، ونحن نحلم بثورة تعم العالم أجمع، مجرد بلد يقاوم الاحتلال، بل كانت إحساسا غريبا كنا ننتمي من خلاله إلى الحياة ونعيد إنتاجها في أماني الشعب الفلسطيني، وأمانينا في بناء أوطان جديدة بلا عسف ولا قهر ولا "حكرة"، كأن هذا لا يمكن أن يكون دون ذاك. وكأن حلمنا جميعا ما كان له أن يتحقق إلا بعودة فلسطين إلى أهلها جميعا، المسلمين والمسيحيين وبمن فيهم العبرانيون الذين قبلوا باقتسام فلسطين وطنا للجميع مع اختلاف العقائد والهويات الثقافية. 

لذا عشقنا فلسطين الرمز، الرمز الموزع على كل شيء. كان "حنظلة" و"الفدائي الملثم" و"طفل الحجارة" بعد ذلك، وأغاني بيارات الزيتون والبرتقال جزءا من فضائنا وجزءا من الأرض التي يناضل من أجلها الثوار في كل ربوع العالم. لقد كان الشعب الفلسطيني، وما زال، سباقا إلى عولمة بعض من تراثه، فجعل الكوفية رمزا لكل المناضلين والثوار في كل مكان. فزين الفتيان والفتيات في كل ربوع الوطن العربي، وفي كل القارات، أعناقهم بكوفية لم تكن ترمز دائما إلى من يقاتل أو يحارب، بل التقطها الناس في الكثير من الحالات باعتبارها "مميزا"، "ماركة مسجلة"، من خلالها يتعرف الثوار على بعضهم بعضا؛ لقد كانت رمزا لكل الشعوب التي تقاوم العنف والجبروت والهمجية الجديدة.