معجم السيميائيـات متابعـات نقديــة ترجمــــات

دراســــات

مؤلفــات بطاقة تعــريف الصفحة الرئيسيـة
للاتصـــال   مواقـــع  خزانات الموقـع صحف ومجـلات رسائل وأطروحـات وحدة تحليل الخطاب مجلـة عــلامات

"طبائع الاستملاك"

حمزة قبلان المزيني*


أشرت في مقالات سابقة إلى أن تحقيق السلام بين الفرق الإسلامية المختلفة يتوقف على كشف الأسس التي يقوم عليها الخلاف بينها، وهي التي يرتبط أكثرها بالسياسة والظروف الاجتماعية والاقتصادية في فترات تكوُّن هذه الفرق. كما يقوم على الكشف عن الطرق التي كَتبت بها هذه الفرقُ مصادرها. وأشرت إلى أنه يمكن إنجاز ذلك بقيام كل فرقة بالنقد الذاتي لمذهبها ومراجعة تراثها العقدي والفقهي. وأشرت إلى أن العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة هي الأوفى في جعل هذه المراجعة أمرا ممكنا.
ومن الأمثلة المتميزة لتفكيك الطائفية السنية والشيعية كتاب صدر حديثا للناقد البحريني الدكتور نادر كاظم بعنوان "طبائع الاستملاك: قراءة في أمراض الحالة البحرينية"، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2007م.
ويتصدى المؤلف لمشكلة "الطائفية" في البحرين بعد استفحال التجاذب الطائفي في السنوات الأخيرة الذي وجد صداه فيها. ويؤسس معالجته النافذة على "النقد الثقافي" الذي يسعى إلى كشف الأنساق المضمرة التي توجِّه الناس ليتصرفوا بصورة غير واعية.
ولا يتسع المجال لعرض الكتاب عرضا وافيا يستحقه، لهذا سأكتفي بعرض بعض ما جاء فيه مما يشهد بأهمية العلوم الإنسانية الحديثة لدراسة الخلافات المذهبية والكشف عن الأسس التي تشرِّع للشقاق بينها، والطرق التي تستخدمها الفرق في الدفاع عن نفسها ومحاولتها نزع الشرعية عن غيرها.
وقد نجح المؤلف في كشف بعض الحيل "النَّسَقية" التي تتخفى وراء ما يتلبَّس بالدين ويجعل منه أداة في الصراع العنيف بين فئات المجتمع الواحد.
وهو يصف الطائفية بأنها "نسق": "... وهو نسق شرير وخبيث، و... لهذا النسق تاريخ وذاكرة وسيرة، وهو في سيرته كثير التحول والتقلب، فيغيب ويحضر، ويتستر ويتجلى، وهو في كل مرة يغيِّر هيئته ويكشف عن وجه جديد مختلف، ولكنه يبقى محتفظا بوجوده وحقيقته في كل هيئة وفي كل وجه. إلا أنه في ذلك يكشف عن حقيقته لأنه ينشط مدفوعا بـ"طبائع الاستملاك". وما يتغير هو الموضوع الذي ينشط بغاية استملاكه" (ص 52ـ53).
ويستعرض أمثلة كثيرة للتنازع بين الطائفتين على "استملاك المجال العام" في العقود الأخيرة. وربما كانت بعض تلك المظاهر خاصة بالبحرين، إلا أن كثيرا منها يتصف بالعمومية مما يجعل معالجته لها صالحة للتعميم على مجتمعات أخرى.
والطائفية ليست إلا تجليا "... من تجليات نسق مضمر متعدد الوجوه والأشكال، وهو نسق ينشط في سياق المزاحمة من أجل تحقيق مآرب دفينة ومتجذرة، وهذه المآرب هي إنجاز الاستملاك الجماعي لما لا يمكن استملاكه...،" (ص 14).
ويعني "الاستملاك" حيازة فرد أو جماعة شيئا معينا وحرمان الآخرين منه. وربما يكون هذا ممكنا في الأشياء المادية، لكنه غير ممكن، ويبلغ درجة كبرى من الخطر، حين يكون المراد استملاكه غير قابل للاستملاك. وهذا ما يولد صراعا عنيفا لا ينتهي.
ومن أوجه "الاستملاك" التي تسعى الطوائف إليها "استملاك الحقيقة" بمعنى أن يعتقد أتباع مذهب معين أن المذهب الذي ينتمون إليه هو الوحيد المتوافق مع النصوص الدينية المؤسِّسة. ومن أمثلة هذا الاستملاك استمرارُ السنة والشيعة لقرون في ادعاء أن مذهبهم هو الحق. ومع هذا لم ينجح أتباع أي من المذهبين، بالرغم من التفاني في ذلك، في تحقيق الانتصار النهائي على أتباع المذهب الآخر في هذا السباق العنيف. وهو ما يعني، لو أنجز، ألا يجد أتباع المذهب المهزوم مفرا من اتِّباع المذهب المنتصر.
وقد سعى أتباع كل من الطائفتين لاستملاك الحقيقة بمحاولة تأويل القرآن الكريم بشكل يخدم وجهة نظرهما. لكن القرآن الكريم، كما يقول الإمام علي رضي الله عنه، "حمال أوجه"، مما يعني أنه قابل لأن تؤوِّله كل فرقة بما يتوافق مع معتقداتها.
ويشير المؤلف إلى أن الطائفتين كلتيهما عجزتا عن توظيف القرآن الكريم أداة من أدوات المغالَبة. ويشير إلى أن هذا العجز ربما يكون من أوجه "إعجاز" القرآن الكريم. ذلك أن "... الاحتجاج بالقرآن الكريم... لم يحسم هذا الخلاف طوال (القرون)، حيث لم يتأت لأصحاب المذاهب والطوائف الانتصار النهائي والحاسم لمذهبهم بوصفه مذهب "أهل الحق". والسبب أن "كلام الله"... يحتمل أكثر من تأويل، ويمكن لكل طائفة أن تحتج به نصرة لعقائدها وتفنيدا لعقائد الآخرين. وإذا كان الحال هكذا فإن كل الحجج متعادلة في القوة، ومن ثم فهي لا تصلح للاحتجاج تبعا للقاعدة الفقهية التي تقول: "إن الأدلة إذا تساوت سقطت"".
ولما لم يسعف القرآن الكريم أيا من الطائفتين في تأييد وجهة نظرها تأييدا بيِّنا ونهائيا لجأتا إلى طرق أخرى. فقد لجأتا إلى الحديث النبوي الشريف لهذا الهدف. فكان لكل منهما مجاميعهما الحديثية الموثوقة عندهما، وتروى فيها الأحاديث التي تؤيد وجهة نظرها وتلغي وجهة النظر الأخرى. لكن السنة لا يعترفون بحجية الأحاديث التي ترد في مجاميع الأحاديث عند الشيعة، ولا يرى الشيعة حجية للأحاديث التي يرويها السنة في مجاميعهم الحديثية. ويقتصر رجوع كل طائفة إلى المجاميع الحديثية للطائفة الأخرى على حالة واحدة، أي عند الاستدلال على وجهة نظر الطائفة بحديث أو جملة أحاديث تؤيد وجهة نظرها مما يرد في المجاميع الحديثية للطائفة الأخرى. لكن هذا التصرف لا يعدو أن يكون حيلة يائسة لا تقصد الحق، وهي تنبع من المقولة المعروفة "من فمك أدينك"، و"الحق ما شهدت به الأعداء"!
لهذا لم ينجح استخدام الأحاديث التي ترويها الطائفتان تأييدا لوجهة نظرهما في حسم الأمر لصالح أي منهما حسما نهائيا.
كما لجأت الطائفتان إلى التاريخ للغرض نفسه. لكن المشكلة أن لكل طائفة روايتها للأحداث المؤسِّسة للخلاف بينهما. وهذا يُسقط الاحتجاج بالروايات التاريخية في قضية ترجيح أي من وجهتي النظر المختلفتين عند الطائفتين في الأصول الأولى للخلاف وما نتج عن هذا الخلاف طوال الأربعة عشر قرنا الماضية.
ولما لم تنجح هذه المصادر كلها في مساعدة أي من الطائفتين على احتكار صفة "أهل الحق" لم تتورعا عن الاستنجاد بالأساطير، وهو ما يشهد بمدى يأس الطائفتين من حسم الخلاف بصورة نهائية. ومن هذه الأساطير أسطورة "أبو رمانة" التي ترويها بعض المصادر الشيعية القديمة وتنتشر بين الشيعة في البحرين، وقد حللها المؤلف بصورة تكشف عن الوظيفة التي تؤديها في الصراع الطائفي.
وتتلخص الأسطورة في أنه كان هناك والٍ "ناصبي" للبحرين الشيعية، وله "وزير أشد نصبا منه، فأراد الوزير الإيقاع بأهل البحرين وإرغامهم على تغيير مذهبهم"، أو يُقتلوا وتستباح أعراضهم وأموالهم. وللتدليل على بطلان عقائد الشيعة جاء برمانة منقوش عليها "لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي خلفاء رسول الله"، فتأمل الوالي فرأى الكتابة من أصل الرمانة بحيث لا يحتمل عنده أن تكون من صناعة البشر، فتعجب من ذلك وقال للوزير: هذه آية بينة وحجة قوية على إبطال مذهب الرافضة". لهذا جيء بـ"الرافضة" وطلب منهم التسليم ببطلان مذهبهم أمام هذا البرهان الساطع.
لكنهم طلبوا مهلة ثلاثة أيام ولجؤوا إلى أحد علمائهم الذي "ألهمه الله على لسان المهدي الجواب الشافي على هذه المعضلة... (وهو) أن تلك الرمانة ليست سوى حيلة...، وأن (الوزير) نَقَش تلك العبارات على قالب من الطين، وغلَّف به الرمانة منذ أن كانت صغيرة، وقد انطبع ذلك النقش عليها أثناء نموها، وقد فسدت الرمانة لذلك، فليس فيها إلا الدخان، وفي اللحظة الحاسمة بادر (العالم) بإخبار الوالي بحقيقة الأمر، وطلب تفتيش دار الوزير للعثور على ذلك القالب، وحينما تأكد الوالي من الأمر، اعتذر إلى أهالي البحرين، وأمر بقتل الوزير وغيَّر مذهبه وصار شيعيا كأهل البحرين، وأحسن إليهم وأكرمهم".
وتمثل هذه الأسطورة يأس الوزير من استخدام "كلام الله" (القرآن الكريم) في تأييد وجهة نظر السنة مما ألجأه إلى ما هو، في نظره، دليل أقوى وهو "كتابة الله" (على الرمانة)، وهو دليل لا يحتمل التأويل. كما جاء كشف العالم الشيعي لهذه الحيلة من مصدر ذي سلطة غيبية، وهو المهدي، وهو ما لا يحتمل التأويل كذلك.
ومثل هذا الكشف الثقافي عن الحيل الثقافية التي تستخدمها الطوائف للدفاع عن اعتقاداتها مهم ويبين أن كثيرا من الحجج التي تسوقها لا علاقة لها بالإسلام بصورته الحقيقية، بل هي نتيجة حتمية للصراع على السياسة في القرن الأول الهجري. كما أن هذا الكشف مهم في إيضاح أن الحجج الطائفية لا تقنع إلا المنتمين إلى الطائفة نفسها.
ومن المؤكد أن هذا الحفر الثقافي يجعلنا أقل ثقة بالتاريخ كما ترويه الطوائف. وهذا ما يوجب البحث عن تاريخ محايد لم يتلون بالطائفية. وسنجد عندها أن كثيرا من أسباب الشقاق تتلاشى.
*
أكاديمي وكاتب سعودي

 

 

 

 
 
 

 

 

 

 

 

 

 

 
معجم السيميائيـات متابعـات نقديــة ترجمــــات

دراســــات

مؤلفــات بطاقة تعــريف الصفحة الرئيسيـة
للاتصـــال   مواقـــع  خزانات الموقـع صحف ومجـلات رسائل وأطروحـات وحدة تحليل الخطاب مجلـة عــلامات

موقع سعيد بنگراد - تاريخ الإنشاء: نونبر 2003